لماذا تنتشر نظرية التعلّق في كل مكان الآن، وكيف يمكنها أن تساعدنا؟

صدر الصورة، Lizzy Smith
- Author, جوش إلغين
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
بالنسبة إلى ليزي، كانت علاقاتها العاطفية تنتهي دائماً بالطريقة نفسها تقريباً. تقول: "كنت أصل إلى الموعد الثاني أو الثالث، ثم أجد عيباً في الشخص الآخر".
وما إن تبدأ العلاقة في أن تصبح حقيقية، حتى يتحول الارتباط الذي كانت تتوق إليه إلى مصدر لعدم الارتياح، بل إلى ما يشبه التهديد. عندها، تبدأ بالابتعاد.
وظلت لسنوات عاجزة عن تفسير السبب، إلى أن تعرّفت على نظرية التعلّق.
وحين قرأت وصف ما يُعرف بـ"نمط التعلّق الخائف المتجنّب"، وهو أحد أنماط التعلّق الأربعة، وجدتْه مألوفاً على نحو لافت.
ويصف هذا النمط شخصاً يرغب في القرب العاطفي، لكنه يخشى أن يرفضه الأشخاص في حياته أو يتخلوا عنه في نهاية المطاف.
وتقول ليزي: "كان الأمر كما لو أنني عثرت على القطعة المفقودة من أحجية أحاول حلّها منذ سنوات".
وليزي ليست وحدها، فقد انتشرت نظرية التعلّق على نطاق واسع، وأصبحت جزءاً من الوعي العام.
وعلى منصة تيك توك، حصدت مقاطع الفيديو المنشورة تحت وسم #AttachmentTheory مئات الملايين من المشاهدات.
وفي الثقافة الشعبية، تُستخدم النظرية لتفسير كل شيء، من علاقة ماريان وكونيل في الرواية والمسلسل الشهير "نورمل بيبول"، إلى كلمات أغنية "رين مي إن" لسام فيندر وأوليفيا دين، التي تصدرت قوائم الأغاني وحققت نجاحاً قياسياً.
وتقول ليزي: "بدأت أبكي منذ المرة الأولى التي استمعت فيها إلى الأغنية".
وبالنسبة إليها، عبّرت الأغنية عن جانبَي نمط التعلّق التجنّبي: الخوف الذي قد يجعل الحب أمراً لا يُحتمل، والحيرة التي يشعر بها الشريك الذي يجد نفسه متروكاً.
ما هي أنماط التعلّق الأربعة؟
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
طوّر الطبيب النفسي البريطاني جون بولبي نظرية التعلّق لأول مرة في خمسينيات القرن الماضي. وتفترض النظرية أن الروابط التي نكوّنها في طفولتنا مع من يتولون رعايتنا تؤثر في توقعاتنا من العلاقات لاحقاً.
فإذا كان الدعم متاحاً باستمرار، فمن المرجح أن نرى الآخرين جديرين بالثقة ويمكن الاعتماد عليهم. أما إذا كانت الرعاية متقلبة أو بعيدة عاطفياً، فقد نطور أساليب لحماية أنفسنا من خيبة الأمل أو الضيق.
وتنقسم أنماط التعلّق إلى أربعة: القلق، والمتجنّب، والخائف المتجنّب، والآمن. ويمكن تعريفها ببساطة على النحو الآتي:
- التعلّق القلق:
يرتبط غالباً بالخوف من الرفض أو الهجر. وقد يحتاج أصحاب هذا النمط إلى تطمينات متكررة من المقربين منهم. ويعانون من تدنّي تقدير الذات. كما قد يكونون شديدي الانتباه لأي تغير في سلوك الآخرين.
- التعلّق المتجنّب:
يعطي أصحاب هذا النمط الأولوية لاستقلاليتهم، ويجدون صعوبة في الانفتاح عاطفياً أو الاعتماد على الآخرين. وقد ينظرون، من دون وعي، إلى الحميمية باعتبارها تهديداً لاستقلالهم، فينسحبون عندما تصبح العلاقة شديدة القرب عاطفياً.
- التعلّق الخائف المتجنّب:
يرغب أصحاب هذا النمط في إقامة علاقات وثيقة، لكنهم غالباً ما يجدون صعوبة في الشعور بالأمان داخلها. فقد يسعون إلى التقارب في لحظة، ثم ينسحبون في اللحظة التالية.
- التعلّق الآمن:
يشعر أصحاب هذا النمط بالارتياح إلى القرب والاستقلالية معاً داخل العلاقات. ويكونون عموماً قادرين على الثقة بالآخرين، والتعبير عن احتياجاتهم، وطلب الدعم عند الحاجة.
وتشير الأبحاث إلى أن أصحاب نمط التعلّق الآمن يحققون نتائج أفضل، ليس فقط في العلاقات العاطفية، بل في جوانب أخرى من الحياة أيضاً. فهم أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط، والتكيف مع الانتكاسات مثل الرفض أو الفقدان، كما يكونون زملاء ومديرين أفضل في بيئة العمل.
وما بدأ وسيلة لفهم العلاقات، بات يؤثر بصورة متزايدة في الطريقة التي يتعامل بها الناس معها.
فعلى منصات التواصل الاجتماعي، تُستخدم أنماط التعلّق لإعادة تقييم الصداقات، وفهم التوترات العائلية، بل واستبعاد شركاء محتملين.
كما يعِد مدربو العلاقات بكشف العلامات الخفية لعدم الاستعداد العاطفي لدى الشريك، أو تقديم طرق للتعافي من نمط التعلّق القلق.
المفاهيم الخاطئة حول نظرية التعلّق
أمضى الدكتور باسكال فرتيتشكا، الأستاذ المشارك في علم النفس بجامعة إسكس، ما يقرب من عقدين في دراسة التعلّق.
ويقول إن النظرية تقدم "أحد أفضل التفسيرات" للاختلافات في الطريقة التي يطلب بها الناس الدعم ويسعون إلى التواصل مع الآخرين.
ورغم سعادته بوصولها إلى جمهور أوسع، فإنه يخشى أن تكون الطريقة التي تُفسَّر بها أحياناً "قديمة أو مضللة، بل وضارة في أسوأ الحالات".
ويقول: "أعتقد أن إحدى المشكلات تكمن في أن الناس يفرطون في تعميمها، ويستخدمونها في سياقات قد لا تكون فيها الإطار الأنسب لتفسير سلوكنا".
ويوضح أن جزءاً من المشكلة يعود إلى أن الافتراضات الأولى التي قامت عليها نظرية التعلّق تطورت منذ ظهورها.
ويرى فرتيتشكا أن أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً هو الاعتقاد بأن أنماط التعلّق ثابتة.
وعلى الرغم من أن الدراسات وجدت أنها قد تحافظ على قدر من الاستقرار مع مرور الوقت، فإنه يؤكد أن التغيير ممكن.
ويضيف: "الخبر السار هو أن الأدلة تشير إلى أن التعلّق الآمن هو النمط الأكثر استقراراً. وهذا يعني أن الشخص، متى أصبح آمناً، فهو يميل إلى البقاء كذلك".

صدر الصورة، Getty Images
ويقول إن أنماط التعلّق غالباً ما يعاد تشكيلها خلال فترات التحوّل في الحياة، ولا سيما في مرحلة المراهقة، حين يبدأ الشباب في بناء علاقات وثيقة خارج نطاق الأسرة.
كما قد تؤثر أحداث لاحقة، مثل الدخول في علاقة جديدة، أو الانفصال، أو فقدان شخص عزيز، في نمط التعلّق.
لكن فرتيتشكا يؤكد أن التغيير يحدث تدريجياً، وأن الأشخاص الذين ترسخت لديهم أنماط تعلّق معينة قد يحتاجون إلى دعم متخصص لمساعدتهم على تغييرها.
وتقول ليزي إن هذه الدقة غالباً ما تضيع في النقاشات الدائرة حول نظرية التعلّق.
وترى أن بعض الناس يسارعون إلى افتراض الأسوأ في الآخرين، ويختزلونهم في تصنيفات جاهزة.
ومع أنها تعتقد أن أصحاب أنماط التعلّق غير الآمنة يستحقون مزيداً من التفهم، فإنها تشدد أيضاً على أهمية الوعي بالذات.
وتقول: "بالنسبة إليّ، أعلم أن ميولي التجنّبية سامّة، وسيكون من غير العادل أن أدخل في علاقة عاطفية في الوقت الراهن".
لكنها تضيف أن ذلك لا يعني أن أصحاب أنماط التعلّق غير الآمنة عاجزون عن بناء علاقات صحية.
وتتابع: "عليك أن تعترف بذلك، وأن تبذل الجهد اللازم للتعافي".
كيف يصبح الإنسان صاحب نمط تعلّق آمن؟
قلة من الأشخاص كان لهم دور في نشر نظرية التعلّق على نطاق واسع بقدر الدكتور أمير ليفين.
فقد صدر كتابه "متعلّق" (Attached)، الذي شارك في تأليفه مع راشيل هيلر، للمرة الأولى عام 2010، وبيع منه منذ ذلك الحين ملايين النسخ حول العالم.
لكن ليفين ينتقل في كتابه الأحدث من تحديد أنماط التعلّق إلى سؤال مختلف: كيف يمكن للإنسان أن يصبح أكثر أماناً في علاقاته؟
ويرى أن جزءاً من الإجابة يكمن في ما يسميه "SIMIs"، أي التفاعلات الصغيرة التي تبدو غير مهمة.
وقد تكون هذه التفاعلات رسالة من صديق يسألك عن عطلة نهاية الأسبوع، أو ابتسامة من شخص غريب.
ويقول ليفين: "يراقب الدماغ التفاعلات الصغيرة باستمرار. وهذا هو جوهر التعلّق، فهو نظام يراقب مدى شعورنا بالأمان".
ويضيف أن هذه التفاعلات البسيطة تشكّل تدريجياً ما يتوقعه الدماغ من العلاقات.
فالتجارب الإيجابية المتكررة تقدم دليلاً على أن الآخرين جديرون بالثقة ويمكن الاعتماد عليهم، ما يساعد الشخص على الانتقال نحو ما يسميه ليفين "وضع التعلّق الآمن".

صدر الصورة، Shira H. Weiss
وفي المقابل، قد يؤدي تأخر الرد على رسالة، أو عدم التزام صديق بخطط اتفق عليها، إلى إثارة استجابات خفية للتوتر في الجهاز العصبي.
ويؤكد ليفين أنه من الممكن أن يكون للشخص أنماط تعلق مختلفة باختلاف الأشخاص في حياته.
لذلك، يشجع الناس على تحديد العلاقات التي تجعلهم يشعرون بالفعل بالأمان والتفهم، والاستفادة منها "وسيلة تساعدهم على أن يصبحوا أكثر أماناً بصورة عامة".
وتعكس فكرة إمكان بناء الشعور بالأمان من خلال العلاقات الحالية تحولاً أوسع، بعيداً عن النظر إلى التعلق بوصفه مجرد نتيجة لتجارب الطفولة.
وقد يدفع اكتشاف نظرية التعلق بعض الأشخاص إلى إعادة النظر في علاقاتهم الأسرية، ما قد يثير مشاعر الاستياء. لكن ليفين يقول إن "الأمر لا يتعلق فقط بالبداية، بل بما يحدث بعد ذلك".
ويضيف: "إذا ساعدتك هذه الطريقة في التفكير على فهم نفسك والمضي قدماً، فهي مفيدة".
"أما إذا جعلتك تشعر بأنك عالق أو متضرر، فهي ليست دقيقة، لأن الناس قادرون بالفعل على التغيير".
ويرى ليفين أيضاً أن أنماط التعلق غير الآمنة قد تنطوي على نقاط قوة.
فالأشخاص ذوو نمط التعلق القلق غالباً ما يكونون شديدي الانتباه إلى العلاقات، ويلتقطون تغيرات دقيقة في المزاج أو نبرة الصوت أو السلوك قد لا يلاحظها الآخرون. أما أصحاب نمط التعلق المتجنب، فقد يتمتعون باستقلالية كبيرة ويؤدون جيداً تحت الضغط.
ومع أن فرتيتشكا يتفق على أن أنماط التعلق لا ينبغي وصفها بأنها جيدة أو سيئة، فإنه يشدد أيضاً على أنها "تنطوي على مخاطر وصعوبات معينة" لا ينبغي تجاهلها.
ويتفق الاثنان على أن نظرية التعلق تكون أكثر فائدة عندما تساعد الناس على فهم أنماط سلوكهم، لا عندما تتحول إلى وسيلة لتعريف أنفسهم.





























