مكاسب تاريخية لليمين القومي في ألمانيا... كيف ستنعكس على أوروبا؟

صدر الصورة، Reuters
- Author, كاتيا أدلر
- Role, محررة الشؤون الأوروبية
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
"زلزال سياسي"، و"هزة اجتماعية وسياسية"، و"لحظة مفصلية لألمانيا".
بهذه العبارات وصف محللون سياسيون ووسائل إعلام كثيرة الفوز اللافت الذي حققه حزب "البديل من أجل ألمانيا" المناهض للهجرة في الانتخابات المحلية التي جرت الأحد. فهل في هذه الأوصاف مبالغة؟
تعدّ ساكسونيا-أنهالت واحدة من أصغر الولايات الألمانية الست عشرة، إذ لا يتجاوز عدد الناخبين المؤهلين فيها 1.7 مليون، من أصل نحو 59 مليون ناخب في أنحاء البلاد.
فإلى أي حد يمكن أن تعبّر توجهات الناخبين في ولاية بهذا الحجم عن تحول سياسي مهم، ولا سيما أن حزب البديل من أجل ألمانيا أخفق بفارق ضئيل في انتزاع أغلبية مطلقة؟
الإجابة: إلى حد كبير جداً.
ويظهر ذلك، قبل كل شيء، في الداخل الألماني.
فالانتخابات، وإن كانت إقليمية، ستكون لها تداعيات على المستوى الوطني. إذ يضاعف الفوز الكاسح لحزب البديل من أجل ألمانيا الضغوط على الائتلاف الوسطي الحاكم في برلين، الذي يواجه أصلاً وضعاً سياسياً صعباً. وقد يشكل هذا الفوز المسمار الأخير في نعش المستقبل السياسي للمستشار المحافظ فريدريش ميرتس، الذي يعاني من تدني شعبيته، وكان قد تعهد بتقليص شعبية الحزب.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
ومن شأن هذه المتاعب السياسية أن تزيد من إضعاف ألمانيا وتشتيت اهتمامها، وهي الدولة الأقوى نفوذاً داخل الاتحاد الأوروبي، في وقت تمر فيه القارة بأزمات متلاحقة، وتحاول مواجهة التصعيد الروسي، وتقلبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ملف الرسوم الجمركية، فضلاً عن التحدي الاقتصادي الذي تمثله الصين.
كما تدفع نتيجة ساكسونيا-أنهالت الألمان إلى مراجعة عميقة لمشهدهم السياسي، في بلد لا يزال ماضيه النازي حاضراً بقوة في الذاكرة العامة. فهذا أول فوز انتخابي كاسح بهذا الحجم لحزب قومي من اليمين المتشدد، يمنحه فرصة حقيقية لتولي الحكم، ولو على مستوى ولاية، منذ سقوط الرايخ الثالث عام 1945.
وتعتبر السلطات الألمانية بعض مكونات حزب البديل من أجل ألمانيا مناهضة للديمقراطية، كما صنفت عدداً من فروعه في الولايات، من بينها فرع ساكسونيا-أنهالت، على أنها من اليمين المتطرف.
ومن المعروف أن الحزب يحظى بشعبية خاصة في شرق ألمانيا، لكنه بات يتصدر أيضاً استطلاعات الرأي على مستوى البلاد بوصفه الحزب الأكثر تأييداً.
ويبدو أن التيار السياسي التقليدي في ألمانيا أخفق في تلبية تطلعات شريحة من الناخبين.
فما الذي ستفعله الآن ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد منفرد في أوروبا، وأكثر دول القارة سكاناً بعد روسيا؟
ترامب مهتم
لكن صدى ما جرى في ساكسونيا-أنهالت الصغيرة تجاوز حدود ألمانيا.
فقد سارع الرئيس الأمريكي إلى نشر نتائج استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع في الولاية على منصته "تروث سوشيال" مساء الأحد.
فخطاب حزب "البديل من أجل ألمانيا"، المناهض للهجرة ولما يصفه بـ"ثقافة اليقظة"، وشعاره "ألمانيا للألمان"، يتقاطع بدرجة كبيرة مع خطاب دونالد ترامب وحركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً".
وكحال عدد من الأحزاب القومية الأخرى في أوروبا، يستلهم الحزب كثيراً من أساليب ترامب السياسية، من مهاجمة وسائل الإعلام التقليدية والتشكيك في حياد القضاة، إلى تبني شعار يدعو إلى "جعل ألمانيا عظيمة مجدداً".
ومع ذلك، نادراً ما يذكر اسم ترامب صراحة في الحملات الانتخابية الأوروبية، إذ يدرك السياسيون جيداً مدى ضعف شعبيته بين الناخبين.
ولم يتأخر التعليق الروسي أيضاً. فبعد وقت قصير من منشور ترامب، وصف رجل الأعمال الروسي النافذ كيريل دميترييف، الرئيس التنفيذي للصندوق الروسي للاستثمار المباشر، نتيجة حزب "البديل من أجل ألمانيا" بأنها "تاريخية".
وقال إن الحكومة الألمانية "فقدت مصداقيتها"، وإن المستشار فريدريش ميرتس تعرض لـ"الإذلال"، مقارناً وضعه بوضع رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر، الذي رأى أنه اضطر إلى الاستقالة هذا الصيف.
ما علاقة روسيا؟
قد يتساءل القارئ: ما مصلحة روسيا في انتخابات إقليمية ألمانية؟ وما الذي كان يرمي إليه دميترييف بانتقاده لبريطانيا؟
الحكومة الألمانية هي أكبر جهة مانحة منفردة لأوكرانيا، فيما زوّدت بريطانيا كييف بصواريخ استُخدمت في ضرب أهداف داخل الأراضي الروسية، وهو ما أثار غضب موسكو بشدة.
أما حزب "البديل من أجل ألمانيا"، فعلى النقيض، يتبنى مواقف أكثر ميلاً إلى روسيا. فهو يريد وقف إرسال المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، وإنهاء العقوبات المفروضة على موسكو، والعودة إلى شراء الطاقة الروسية الأرخص بكثير.
وكانت الصناعة الألمانية كثيفة الاستهلاك للطاقة قد تلقت ضربة اقتصادية كبيرة بعد أن أوقفت البلاد واردات الطاقة الروسية، في أعقاب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022.

صدر الصورة، Reuters
ويحظى نهج حزب "البديل من أجل ألمانيا" الأكثر ليناً تجاه روسيا بجاذبية إضافية في شرق البلاد، الذي لا يزال أفقر بكثير من غربها، رغم إنفاق ألمانيا ما بين 2.3 و3 تريليونات يورو، بحسب التقديرات وما إذا كان التضخم محسوباً، للمساعدة في دمج الجزء الشيوعي السابق من البلاد بعد سقوط جدار برلين عام 1989.
وتعدّ ساكسونيا-أنهالت أفقر ولايات ألمانيا. وهناك، كما في أجزاء واسعة من شرق البلاد، يبرز بين بعض الناخبين ما يُعرف بـ"Ostalgie"، أي "الحنين إلى الشرق"، وهو شعور بالحنين إلى ما يُنظر إليه باعتباره زمناً أكثر استقراراً نسبياً خلال الحقبة الشيوعية.
أحزاب أوروبا تراقب وتعلّق
ولم تكن ألمانيا وحدها تتابع ما جرى في ساكسونيا-أنهالت، إذ كانت مؤسسات الاتحاد الأوروبي تراقب الانتخابات عن كثب أيضاً.
فالعام المقبل يحمل موسماً انتخابياً حافلاً في دول الاتحاد، مع استحقاقات مرتقبة في دول رئيسية مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا. وتخشى بروكسل أن تحصد الأحزاب المصنفة "متطرفة"، سواء على اليسار أو، بصورة أكبر، على اليمين، مكاسب في أكثر من بلد.
وكتب زعيم حزب "فوكس" القومي في إسبانيا، سانتياغو أباسكال، على منصة إكس الأحد أن فوز حزب "البديل من أجل ألمانيا" في ساكسونيا-أنهالت يمثل "أملاً كبيراً لألمانيا ولأوروبا".
في المقابل، حذّر وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي بنجامان حداد، المقرب من الرئيس الوسطي إيمانويل ماكرون، قائلاً: "إنها لحظة خطيرة في أوروبا، حين نرى اليمين المتطرف يفوز في انتخابات إقليمية في ألمانيا".
ولا يقبل حزب "البديل من أجل ألمانيا"، ولا غيره من الأحزاب الأوروبية التي توصف بأنها من "اليمين المتطرف" أو "اليمين المتشدد"، بهذه التسميات. كما أن هذه الأحزاب لا تتطابق في خطابها ولا في برامجها.
وكان "التجمع الوطني" الفرنسي، بزعامة مارين لوبان، قد طرد حزب "البديل من أجل ألمانيا" من الكتلة التي كانا ينتميان إليها في البرلمان الأوروبي قبل عامين، بعدما اعتبره أكثر "تطرفاً" مما يمكن تحمله.
لكن ما يجمع كثيراً من هذه الأحزاب هو العداء للهجرة والخطاب القومي الحاد، وهذا تحديداً ما يثير قلق الاتحاد الأوروبي.
فحين ترتفع شعارات من قبيل "ألمانيا أولاً" أو "إيطاليا أولاً" أو "فرنسا للفرنسيين"، تخشى بروكسل أن يؤدي صعود الأحزاب القومية إلى مزيد من التصدع داخل الاتحاد، في وقت تحتاج فيه أوروبا، أكثر من أي وقت مضى، إلى قدر أكبر من التماسك في مواجهة الضغوط الخارجية.
فأحزاب مثل "البديل من أجل ألمانيا" أو "الرابطة" في إيطاليا تتبنى مواقف شديدة التشكيك في الاتحاد الأوروبي. وفي المقابل، تقول بروكسل إن أوروبا تحتاج إلى جبهة موحدة في ملفات عدة، من مواجهة ضغوط دونالد ترامب، إلى حماية الشركات الأوروبية من إغراق الأسواق بالبضائع الصينية.
كما تحذر الأوساط الدفاعية الأوروبية من أن أي شرخ في جبهة العقوبات المفروضة على روسيا، أو تراجع حماسة بعض الدول لعضويتها في حلف شمال الأطلسي "الناتو" ــ كما يظهر في مواقف "التجمع الوطني" الفرنسي أو حزب "البديل من أجل ألمانيا" ــ لن يؤدي إلا إلى تشجيع موسكو.
ويقول مسؤولون أمنيون إن على الدول الأوروبية أن تبقى متماسكة لوقف روسيا في أوكرانيا، وإلا فقد يغري ذلك الكرملين بالمضي أبعد، وربما باستهداف دول داخل حلف الناتو مثل دول البلطيق.
لكن الناخبين الأوروبيين يدركون هم أيضاً حجم هذه التهديدات الخارجية وما تتركه من أثر في الداخل. فهم قلقون من تداعيات الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط، ومن تراجع الخدمات الصحية، ومن تقلص شعورهم بالأمان الاقتصادي هم وعائلاتهم. كما تثير الهجرة غير المنضبطة والأمن في الشوارع مخاوف واسعة.
ومن هنا تكتسب نتيجة ساكسونيا-أنهالت أهميتها: فهي بمثابة إنذار واضح للأحزاب التقليدية، ولعدد من مؤسسات الدولة في أنحاء أوروبا، من القضاء إلى الأجهزة الأمنية، وهي المؤسسات التي يصفها حزب "البديل من أجل ألمانيا" بأنها جزء من "المؤسسة الحاكمة" التي تدافع عن مصالحها.
ويشعر كثير من الناخبين في أوروبا بأن الأحزاب التي دعموها مراراً على مدى عقود لم تعد تمثلهم أو تستجيب لمخاوفهم. لكن انتقال أصوات بعضهم اليوم إلى اليمين أو اليسار لا يعني أنهم تحولوا جميعاً فجأة إلى متطرفين.
وكان شعار حملة حزب "البديل من أجل ألمانيا" في ساكسونيا-أنهالت: "كل شيء ممكن"، إلى جانب وعد بإعادة شعور الألمان بالفخر ببلادهم.
وحتى الآن، لم يُختبر الحزب في الحكم، لكن عدداً متزايداً من الناخبين يبدو مستعداً لمنحه الفرصة.































