You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
وفاة أيقونة موسيقى الريف "الكانتري" الأمريكية دوللي بارتون عن 80 عاماً، فماذا نعرف عنها؟
توفيت مغنية موسيقى الريف "الكانتري" الأمريكية دوللي بارتون عن 80 عاماً، بعد مسيرة فنية امتدت لنحو سبعة عقود، تحولت خلالها من طفلة نشأت في أسرة فقيرة في جبال تينيسي إلى واحدة من أشهر الشخصيات في الموسيقى والثقافة الأمريكية.
وأعلنت عائلتها وفاتها في ناشفيل بولاية تينيسي، فيما قال فريقها في بيان لشبكة "سي بي إس" (CBS) - الشريك الأمريكي لبي بي سي - إن "دوللي فارقت الحياة اليوم في مركز فاندربيلت-إنغرام للسرطان، محاطةً بأحبائها، وذلك بعد خوضها بشجاعة معركةً قصيرةً مع مرض السرطان".
لم تكن بارتون مجرد مغنية. فقد كانت كاتبة أغاني غزيرة الإنتاج، وممثلة، وسيدة أعمال، وشخصية تلفزيونية، وناشطة في العمل الخيري.
كتبت خلال مسيرتها أكثر من ثلاثة آلاف أغنية، وباعت أكثر من 100 مليون تسجيل حول العالم، وفازت بـ11 جائزة غرامي، إلى جانب عشرات الجوائز والترشيحات الأخرى.
ومن أشهر أغانيها "جولين" و"معطف من ألوان كثيرة" و"سأظل أحبك دائماً"، وهي الأغنية التي حققت شهرة عالمية كبيرة بعدما أعادت تسجيلها المغنية الأمريكية ويتني هيوستن في تسعينيات القرن الماضي.
وقد أشاد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بدوللي بارتون، معلناً تنكيس الأعلام الأمريكية تكريماً لها لمدة أسبوع، وهي خطوة نادرة تُتخذ عادةً تكريماً لشخصيات بارزة.
في حين وصفها الرئيس الأسبق، جو بايدن، بأنها كانت "مدافعة لا تعرف الكلل عن المرأة والمساواة"، أما الرئيس الأسبق باراك أوباما فقال إنه من الصعب تخيّل شخص أحدث تأثيراً أكبر من دوللي بارتون.
وخارج قاعة مشاهير موسيقى الكانتري في ناشفيل، تجمّع محبو دوللي بارتون مساءً لإحياء ذكراها وتوديع واحدة من أبرز رموز الموسيقى الأمريكية.
وبالقرب من نجمة دوللي بارتون على ممشى المشاهير، وضع المعجبون الزهور وأشعلوا الشموع. وارتدى بعضهم أحذية رعاة البقر التقليدية، بينما ردد آخرون أغانيها مثل "جولين"، وكان لأغنية "معطف من ألوان كثيرة" حضور خاص بين محبيها ومن حضروا لوداعها.
طفولة فقيرة وصوت جميل
وُلدت دوللي ريبيكا بارتون عام 1946، وكانت الرابعة بين 12 طفلاً في أسرة ريفية فقيرة عاشت في كوخ صغير مؤلف من غرفة واحدة قرب نهر ليتل بيجون في جبال تينيسي.
كان والدها روبرت لي بارتون مزارعاً للتبغ، بينما كانت والدتها آفي لي تغني الأغاني الشعبية داخل المنزل. تأثرت بارتون بأحد أقاربها الذي كان يعزف الغيتار ويكتب الأغاني، ورافقها عمُّها بيل أوينز بالغيتار خلال بعض عروضها الأولى.
غنّت بارتون في الكنيسة المحلية، التي كان جدها قسيساً فيها، منذ سن السادسة. وقبل أن تصل إلى سن المراهقة، بدأت تظهر على محطة تلفزيون محلية.
وفي سن الثالثة عشرة، وصلت إلى واحد من أهم مسارح موسيقى الكانتري في الولايات المتحدة عندما غنّت في برنامج غراند أولي أوبري في ناشفيل عام 1959.
وقدّمها آنذاك المغني الشهير، جوني كاش، لتنال إطلالتها الأولى تفاعلاً جماهيرياً صاخباً دفعها لإعادة الغناء ثلاث مرات متتالية تلبيةً لهتافات الحاضرين، فكانت تلك بداية طريقها الطويل نحو الشهرة.
كيف صنعت من مظهرها علامة مميزة؟
في سنوات مراهقتها، استلهمت بارتون مظهرها من امرأة محلية كانت تضع طلاء أظافر أحمر فاقعاً وترتدي ملابس لافتة وأحذية ذات كعب عالي.
وقد أُعجبت بارتون بمظهرها، ولم تخجل لاحقاً من تبنّي صورة مشابهة، وأصبحت مع الوقت جزءاً من هويتها الفنية: الشعر الأشقر المستعار، والأظافر الطويلة، والملابس البرّاقة والكعب العالي.
لكن تلك الصورة لم تكن أكثر من مجرد مظهر، إذ كانت بارتون تدرك كيف تستخدمها لجذب الانتباه، وكانت تسبق الآخرين إلى السخرية من شكلها قبل أن يستخدموه للنيل منها.
وكانت تردّ على النكات المتعلقة بالشابّات الشقراوات وما يُطلق عليهن عادة من عبارات كـ"الشقراء الساذجة" - بتأكيد أنها تعرف تماماً ما تفعله.
ناشفيل وبداية النجومية
بعد تخرجها في المدرسة الثانوية عام 1964، انتقلت بارتون إلى ناشفيل سعياً وراء حلمها الموسيقي.
وفي اليوم الأول لوصولها إلى المدينة، التقت كارل دين، الذي أصبح زوجها بعد عامين. واستمر زواجهما حتى وفاته عام 2025.
وفي ناشفيل، لفت صوتها انتباه مغني الكانتري، بورتر واغونر، الذي ضمّها إلى برنامجه التلفزيوني.
وخلال السنوات السبع التالية، أصبح الاثنان من أشهر الثنائيات في موسيقى الكانتري.
لكن نجاح بارتون كمغنية منفردة بدأ يخلق توتراً في العلاقة المهنية بينهما، إلى أن غادرت البرنامج عام 1974 لتركز اهتمامها على مسيرتها الخاصة.
وقد غنّت "سأظل أحبك دائماً" في وداع واغونر.
أغنية أصبحت عالمية
لم تكن أغنية "سأظل أحبك دائما" في بدايتها قصة حب بالمعنى التقليدي، بل كانت تعبيراً عن مشاعر بارتون أثناء مغادرتها واغونر وبرنامجه التلفزيوني.
وفي عام 1992، أعادت ويتني هيوستن تسجيلها بصوتها لتكون أغنية رئيسية لفيلمها - الحارس الشخصي "ذا بودي غارد"، وحوّلتها بذلك إلى واحدة من أشهر الأغاني في تاريخ الموسيقى الحديثة.
قالت بارتون إنها كانت تقود سيارتها عندما سمعت "نسخة ويتني" للمرة الأولى واضطرت إلى التوقف من شدة تأثرها.
وكانت قد رفضت في وقت سابق عرضاً لتسجيل الأغنية بصوت إلفيس بريسلي بعدما طلب مدير أعماله الحصول على نصف حقوق كتابة الأغنية.
وقد كان القرار صعباً، لكنه ساعد في ترسيخ سمعتها كفنانة تدرك قيمة أعمالها وحقوقها.
أغنية "جولين" وفيلم "9 إلى 5"
في عام 1974 أيضاً، أصدرت بارتون أغنية "جولين" التي تحكي قصة امرأة تخشى أن تخسر زوجها أمام امرأة أخرى.
وبدلاً من تقديم شخصية واثقة لا تخشى المنافسة، غنّت بارتون الأغنية من موقع الضعف والغيرة والخوف من فقدان من تحب.
وأعيد تقديم الأغنية لاحقاً من جانب عدد من الفنانين، بينهم مايلي سايرس وبيونسيه.
أما في عام 1980، فقد وسّعت بارتون حضورها في هوليوود من خلال بطولة فيلم "9 إلى 5" التاسعة إلى الخامسة. إلى جانب الفنانتين جين فوندا وليلي توملين.
وقد كتبت الأغنية الرئيسية للفيلم، الذي تناول التمييز ضد النساء في أماكن العمل.
وخلال وجودها في موقع التصوير، لاحظت أن أظافرها الأكريليك تصدر (بالنقر، وحين تصطدم ببعضها أو بغيرها) "نغمة" تشبه صوت آلة الكتابة، فاستوحت منه إيقاع الأغنية.
وقد تحولت أغنية الفيلم إلى واحدة من أشهر أغانيها، ورسخت مكانتها كفنانة قادرة على النجاح خارج موسيقى الكانتري أيضاً.
نجمة وسيدة أعمال
لم تعتمد بارتون على الغناء وحده في بناء ثروتها وشهرتها.
فقد أسست شركة تسجيل خاصة بها، وشاركت في ملكية وإدارة مجموعة دوللي وود الترفيهية.
وفي عام 1986، افتتحت متنزهها الشهير في منطقة جبال سموكي التي ارتبطت بطفولتها.
ومع مرور الوقت، توسعت أعمالها لتشمل مرافق ترفيهية وفنادق ومشروعات أخرى.
وفي عام 2022، أدرجتها مجلة فوربس ضمن قائمة أغنى النساء اللواتي صنعن ثروتهن بأنفسهن في الولايات المتحدة.
لكنها لم تتخلَّ عن جذورها، وظلت تستخدم جزءاً من ثروتها ونفوذها لدعم المجتمعات التي نشأت فيها.
"إرث من العطاء"
في عام 1995، أطلقت بارتون برنامج مكتبة الخيال "إيماجينايشن لايبراري" لتوفير الكتب المجانية للأطفال، مستوحية الفكرة من والدها الذي لم يكن يجيد القراءة والكتابة.
وقد بدأ المشروع في تينيسي ثم توسّع إلى دول أخرى، بينها بريطانيا وكندا وأستراليا وأيرلندا، وأصبح يوزع ملايين الكتب على الأطفال سنوياً.
كما دعمت مؤسستها الخيرية منحاً دراسية ومستشفيات، وساعدت المتضررين من الكوارث الطبيعية وحرائق الغابات.
وخلال جائحة كورونا عام 2020، تبرعت بمليون دولار إلى مركز فاندربيلت الطبي الجامعي، وساهم التبرع في تمويل أبحاث مرتبطة بلقاح موديرنا.
وهكذا، أصبحت أعمال بارتون الخيرية جزءاً أساسياً من إرثها، إلى جانب موسيقاها.
سنواتها الأخيرة
في سنواتها الأخيرة، اضطرت بارتون إلى تأجيل عدد من عروضها لأسباب صحية.
وفي مايو/أيار 2026، أعلنت تأجيل إقامة عرضها الفني في لاس فيغاس بسبب خضوعها للعلاج من حصوات الكلى.
وقالت في رسالة إلى جمهورها إنها تحتاج إلى وقت للتعافي قبل العودة إلى المسرح، لكنها حافظت على روح الدعابة التي عُرفت بها، مازحة بشأن صعوبة الوقوف على كعب عالٍ وهي تحمل آلات موسيقية وترتدي ملابسها الثقيلة المرصعة بالأحجار.
"أثر يتجاوز الغناء"
كانت بارتون تتجنب في الغالب الدخول في الاستقطاب السياسي، وفضّلت التركيز على الموسيقى والعمل الخيري.
كما كانت واحدة من النساء اللواتي مهّدن الطريق أمام أجيال لاحقة من المغنيات وكاتبات الأغاني في موسيقى الكانتري، في وقتٍ لم يكن حضور المرأة كفنانة منفردة يحظى دائماً بالتقدير الذي يستحقه.
وفي رثائها، قال نجم فرقة البيتلز بول مكارتني إنها كانت "امرأة رائعة ونجمة عظيمة"، مشيداً بموهبتها في كتابة الأغاني وغنائها وعملها الخيري.
أما الإعلامية أوبرا وينفري فقالت إنه "لا أحد مثلها"، مضيفة أن بارتون حلمت بحياة كبيرة ثم عاشت حياة تجاوزت ما كان يمكن أن تتخيله.
وربما يلخص ذلك مسيرة بارتون.
لكن بارتون كانت تقول دائماً إنها تريد أن تُذكَر أولاً باعتبارها كاتبة أغاني. وهذا ربما يكون إرثها الأهم.
فأغاني مثل "جولين" و"معطف من ألوان كثيرة" و"سأظل أحبك دائماً" لم تكن مجرد أعمال ناجحة، بل قصصاً عن الغيرة والحب والفقدان والفقر والطموح والكرامة.
ولهذا تجاوزت موسيقى دوللي بارتون حدود الكانتري والولايات المتحدة، ووصلت إلى أجيال من المستمعين حول العالم.
رحلت دوللي بارتون، لكن صوتها وقصصها وأغانيها ستبقى جزءاً من الذاكرة الموسيقية والثقافية لسنوات طويلة.