لماذا يُعلن عن موعد تشييع علي خامنئي الآن؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, مسعود آذر
- Role, بي بي سي نيوز
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
بعد مرور أكثر من مئة يوم على مقتل علي خامنئي في هجوم أمريكي-إسرائيلي، أعلن مكتب حفظ ونشر آثار الزعيم السابق لجمهورية إيران الإسلامية أخيراً مواعيد مراسم "الوداع والتشييع والدفن"، وهو الجدول الزمني الذي يمتد من 13 إلى 18 يوليو/تموز في مدن طهران وقم ومشهد.
وخلال الأشهر الماضية، لم يُنشر سوى ثلاثة بيانات بشأن موعد دفن علي خامنئي، وأثار التعتيم على توقيت إقامة هذه المراسم تساؤلات عديدة حول طبيعتها وتفاصيلها.
وأصبح هذا الملف مادةً لتحليلات سياسية، كما اعتبر بعض منتقدي الحكومة الإيرانية على شبكات التواصل الاجتماعي تأجيل إقامة المراسم مؤشراً على عجز وضعف النظام.
وفي البيان الأحدث عن هذه المراسم، أشارت السلطات المعنية إلى أن أربعة من أفراد عائلة خامنئي سيُشيَّعون معه؛ وهم ابنه بشرى حسيني خامنئي، وصهره مصباح الهدى باقري، وزوجة ابنه زهرا حداد عادل، وحفيدته زهرا محمدي گلبايگاني. كما تمتد مراسم التشييع (الوداع) ليومين في طهران ويوم واحد للتشييع.
ولم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الفترة ستكون عطلة في طهران.
وأُقيم في وقت سابق، في 28 و29 مايو/أيار 2026، تأبينٌ لعائلة علي خامنئي في مسجد الإمام علي في مدينة ري.
وأشار البيانان الأول والثاني لهيئة إحياء ذكرى علي خامنئي، الصادران في 3 و9 يونيو/حزيران الجاري، إلى أن "الشائعات وبعض التكهنات الإعلامية بشأن تفاصيل هذا الحدث لا أساس لها من الصحة"، وأن العمل جارٍ للتخطيط لإقامة هذه المراسم.
وكان نائب الشؤون الثقافية والاجتماعية في بلدية طهران قد صرّح الأسبوع الماضي بأن تشييع علي خامنئي سيكون "على الأرجح في نهاية شهر ذي الحجة وبداية شهر محرّم".
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وأضاف محمد أمين توكلي زاده أن الجهة المسؤولة عن المراسم هي الحرس الثوري، وأنه قد خُصصت ثلاثة أيام "للتوديع الشعبي"، وأن "الاستعدادات جارية لاستقبال أكثر من 15 إلى 20 مليون شخص في العاصمة".
وكان الإعلان الأول عن موعد التشييع قد صدر في 3 مارس/آذار الماضي بعد أربعة أيام من مقتله، إذ قال رئيس مجلس تنسيق الدعاية الإسلامية في طهران إن مسجد الإمام الخميني "سيستقبل أبناء الشعب الإيراني بدءاً من الساعة العاشرة مساءً لتوديع جثمان الإمام خامنئي".
وذكرت تقارير صدرت آنذاك أن "مراسم التشييع ستُقام لمدة ثلاثة أيام في المسجد مع برامج خاصة مُعدَّة لهذه الأيام".
لكن هذا الخبر جرى تعديله بعد ساعات، إذ أعلن المجلس في بيان جديد، من دون الإشارة إلى الظروف الأمنية أو العسكرية، أنه "بناءً على الطلبات الكثيرة والمتزايدة من أبناء الشعب في أنحاء البلاد، ومع توقع حضور جماهيري غير مسبوق، بالملايين... وبسبب ضرورة الاستعداد الكامل لمكان التوديع الشعبي وتجهيز البُنى التحتية اللازمة، تقرر تأجيل هذه المراسم وسيُعلن عن موعدها في وقتٍ لاحقٍ".
ويبدو أن الاعتبارات الأمنية والخوف من احتمال اندلاع الحرب مجدداً لعبا دوراً مهماً في تأجيل هذه المراسم، وأن الحديث الآن عن "تفاهم" محتمل بين الولايات المتحدة وإيران قد أقنع الجهات المعنية بتحديد موعد واضح لإقامة مراسم الدفن.
وفي هذا السياق، يُشار إلى مراسم دفن حسن نصر الله، الأمين العام السابق لحزب الله في لبنان، التي أُقيمت في 24 فبراير/شباط 2025 بعد نحو خمسة أشهر من مقتله (في 27 سبتمبر/أيلول من العام نفسه)، بسبب الظروف الأمنية والعسكرية.
محرّم واستعراض الشرعية في مرحلة ما بعد خامنئي

صدر الصورة، Majid Asgaripour/WANA (West Asia News Agency) via REUTERS
تشير تقديرات رسمية إلى إمكانية حضور ما يتراوح بين 8 و20 مليون شخص مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي. ويرجح أن الحكومة تسعى إلى تحويل هذه المناسبة إلى أكبر تجمع سياسي وديني، يتجاوز كونه مجرد شعائر دينية، في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
ولم يكن تشييع روح الله خميني عام 1989 مجرد نهاية مرحلة من القيادة، بل يمثل بداية مرحلة جديدة من حياة النظام السياسي. ويبدو الآن أن الحكومة تحاول استخدام مراسم دفن علي خامنئي لإيصال رسالة مفادها أن انتقال السلطة تم بسلاسة دون أزمات، وأن بنية النظام السياسي لا تزال متماسكة.
كما تحظى هذه المراسم بأهمية خاصة بالنسبة إلى مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني الجديد للجمهورية الإسلامية. ورغم أنه لم يظهر علناً حتى الآن ولم تُنشر له صور أو تسجيلات، فإن هذه المراسم يمكن أن توفر له دعماً سياسياً.
كما تحظى هذه المناسبة بأهمية لدى أنصار النظام، إذ يمكن اعتبار تشييع "مليونيّ" لعلي خامنئي تعبيراً عن دعم شعبي للنظام.
من جهة أخرى، وبعيداً عن الاعتبارات الأمنية وتأثير أي اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة، فإن اختيار شهر محرّم قد يكون مقصوداً. فقد أشار البيان الثاني لهيئة إحياء ذكرى علي خامنئي إلى أن السبب الرسمي هو أهمية إقامة مراسم عاشوراء في إيران والعالم، غير أن هذا التوقيت يمكن أن يحمل أبعاداً سياسية أيضاً.
ويحتل شهر محرّم مكانة خاصة في التقويم الشيعي، وكما قال روح الله خميني: "كل ما لدينا هو من هذا الشهر". وسعت الجمهورية الإسلامية خلال العقود الأربعة الماضية إلى ربط شرعيتها السياسية بمفاهيم عاشوراء والشهادة. وبالتالي، فإن إقامة مراسم تشييع الزعيم السابق في أجواء دينية بعد عاشوراء تتيح للحكومة إعادة صياغة الرواية الرسمية لوفاته ضمن مفاهيم "الشهادة" و"التضحية" و "المُضي قُدُماً في الطريق".
على ذلك، فإن اختيار شهر محرّم، إلى جانب كونه قراراً تنفيذياً أو أمنياً، يحمل أبعاداً رمزية وسياسية.
وصية لم تُنشر بعد

صدر الصورة، Reuters
الآن، وبعد الإعلان الرسمي عن موعد التشييع ومكان دفن علي خامنئي، كان من المتوقع أن يوضح مكتب حفظ ونشر آثاره أيضاً ما إذا كان قد ترك وصية أم لا، وأن تُجاب تساؤلات مهمة في هذا الشأن.
ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من مئة يوم على مقتله، لم يُنشر أي نص رسمي أو تفاصيل حول وصيته، ولم يقدم المسؤولون أي توضيحات بشأن وجودها أو عدمه.
ويأتي ذلك رغم أن وصايا عدد من قادة الجمهورية الإسلامية لعبت دوراً مهماً في تشكيل الرواية الرسمية بعد وفاتهم. ولذلك، فإن الصمت الرسمي حول وصية علي خامنئي أصبح من الأسئلة المطروحة في المشهد السياسي الإيراني.
ولم يتضح حتى الآن ما إذا كان قد ترك وصية، أو أن الحكومة قررت تأجيل نشرها. وفي كلتا الحالتين، فإن غياب المعلومات الرسمية في هذا الشأن يعد من أبرز جوانب الغموض الذي يحيط بمرحلة ما بعد وفاة خامنئي.
وفي الثقافة الدينية والسياسية للجمهورية الإسلامية، لا تُعد الوصية مجرد وثيقة شخصية، بل تُعتبر الرسالة الأخيرة للقادة، وغالباً ما تُفسر على أنها محاولة أخيرة للتأثير وحماية النظام.
وبقطع النظر عن الأهمية الاستراتيجية لوصية علي خامنئي، يبدو أن ما سيحدث بين 13 و18 يوليو/تموز في مدن طهران وقُم ومشهد لن يكون مجرد مراسم حداد، بل قد يشكل استعراضاً للقوة والشرعية والتماسك لنظام يسعى إلى إظهار ثباته واستمراريته في غياب أبرز شخصية قادته خلال العقود الأربعة الماضية.
يوم الاستقلال الأمريكي
أثار الإعلان عن موعد دفن علي خامنئي ردود فعل واسعة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. وكان من أبرز هذه التفاعلات تزامُن المراسم مع يوم الاستقلال الأمريكي.
ويكتسب هذا التزامن أهمية خاصة بالنظر إلى أن خامنئي قُتل في هجوم مشترك من الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن بدء المراسم الممتدة لعدة أيام يتزامن مع الرابع من يوليو/تموز، يوم الاستقلال في الولايات المتحدة - بمعنى أنه في حين تستعد الجمهورية الإسلامية لإقامة أكبر مراسم سياسية وحداد لوفاة زعيمها السابق، تحتفل الولايات المتحدة بأهم مناسباتها الوطنية.



























