هل في بيتنا "ابن مفضل"؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, إيثار شلبي
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
هل شعرتَ ذات مرة بأن لديك أخا أو أختا مُفضلة أكثر لدى والديك؟ طلباته مُجابة على الدوام أو أخطاؤه مبررة؟ يتلقى كثيرا من المدح والإطراء، بل قد تُقارن به أحيانا؟ ربما ستصمت قليلا قبل أن تحاول الرد على هذا السؤال، فإجابته ربما تكون محرجة وصعبة بل وكاشفة عن حقيقة مشاعرك كأم أو أب، أو حتى كأخ أو أخت.
في كثير من البيوت، لا يُقال الأمر صراحة، لكن الجميع يشعر به، بل وأحيانا يعيه تماماً. إشارات صغيرة تتسلل في تفاصيل الحياة اليومية: ثناء يتكرر على طفل بعينه، عذر جاهز أو تساهل ملحوظ مع خطأ هنا، ومقارنة عابرة هناك، أو قرار يتخذ دائمًا لصالح ابن أو ابنة بعينها. أمور قد يراها الآباء عادية، لكنها تشكل بالنسبة للأطفال خريطة دقيقة للمكانة، وتحدد شعورهم بالعدل أو الخذلان طوال سنوات حياتهم.
فما بين جدران منزل واحد، وفي المسافة الدقيقة بين العاطفة والعدل، يولد ما يُعرف بـ "الابن المفضل"؛ ذلك الذي يحظى بمكانة أعلى في قلب أحد الوالدين أو كليهما، ولكن عادة لا يكون هذا التفضيل معلنا.
ظاهرة "الابن المفضل" ليست مجرد وصف عاطفي عابر بين الإخوة، بل هي موضوع دراسات علم النفس الأسري التي تؤكد أن إدراك الطفل للتفضيل من قبل الآباء قد يترك آثارًا طويلة المدى على شخصيته بل وعلى أسرته المستقبلية كذلك. فقد أظهرت نتائج دراسات واسعة النطاق نُشرت في مجلتي Journal of Family Psychology و Psychological Bulletin — استندت إلى بيانات الآلاف من المشاركين عبر تحليلات متعددة — أن إدراك وجود تفضيل بين الأبناء يرتبط بعدة عوامل، من بينها ترتيب الولادة والجنس وبعض السمات الشخصية مثل الطاعة والتنظيم الذاتي. كما تشير النتائج إلى وجود ميل لتفضيل الأطفال الأكثر تعاونًا أو توافقًا مع توقعات الآباء، وهي سمات ترتبط غالبًا بالمسؤولية والانضباط.

صدر الصورة، Getty Images
بين "المدلل" و"المفضل" .. فارق دقيق

صدر الصورة، Getty Images
في حديثها إلى بي بي سي نيوز عربي، أوضحت الدكتورة ياسمين سليمان، الاستشارية في علم النفس الأسري، أن ثمة خلطاً شائعاً بين "الابن المدلل" و "الابن المفضل". فالتدليل، كما تقول، يرتبط غالباً بنمط حماية ورعاية زائدتين، بينما التفضيل يتعلّق بمنح مكانة أعلى وتقييم مختلف داخل البناء الأسري.
وتضيف أن المشكلة لا تكمن في وجود مشاعر قرب خاصة تجاه أحد الأبناء، فالمشاعر بطبيعتها لا يمكن تجريمها أو ضبطها بقرار، بل تكمن الخطورة في الممارسة العلنية لهذا التفضيل. وتقول: "الخطورة تكون حين يتحوّل الأمر إلى معاملة غير عادلة أو مقارنات صريحة تزرع في وعي الأطفال أن أحدهم 'أفضل' والآخر 'أقل'، هنا تكون المشكلة".
هل التفضيل بين الأبناء واعٍ أم لا شعوري؟
تؤكد الدكتورة ياسمين أن غالبية حالات التفضيل تحدث بصورة لا شعورية؛ فكثير من الآباء يصرحون بأنهم يحبون أبناءهم جميعا بالتساوي، غير أن سلوكهم العملي قد يعكس غير ذلك. فالأب أو الأم قد يميلان، دون وعي، إلى الابن الذي يشبههما في الملامح أو الطباع، أو ذاك الذي يحقق ما عجزا عن تحقيقه في الماضي، أو الذي يبدو أكثر طاعة وسهولة في التعامل.
وتضيف: "على سبيل المثال، تقول الأم إن ابنتها تذكرها بنفسها في شبابها أو في جمالها، ويقول الأب لنفسه إن ابنه المفضل يشبهه في تصرفاته وحركاته، فيحدث التفضيل بشكل غير واعٍ".
وتشرح الدكتورة ياسمين أن الخلفيات النفسية والتجارب الشخصية للوالدين تلعب دورًا حاسمًا؛ فالأم التي كانت تتمنى مسارًا أكاديميًا معينًا قد ترى في أحد أبنائها امتدادًا لحلمها القديم، بينما قد يمنح الأب مكانة خاصة للابن الذي يشعر نحوه بالتقدير أو الدعم العاطفي.
أما في بعض الأسر التي تعاني من اضطرابات أعمق، خصوصًا تلك التي تتسم بسمات نرجسية، فقد يصبح التفضيل واعياً ومقصوداً، ويتحوّل الابن المفضل إلى ما يُعرف في الأدبيات النفسية بـ"الابن الذهبي"، في مقابل "كبش الفداء" الذي تُسقَط عليه الأخطاء.
الترتيب العمري والجنس .. عوامل مؤثرة
وتشير الاستشارية الأسرية إلى أن التفضيل قد يرتبط أحيانًا بالترتيب بين الإخوة؛ ففي بعض الأحيان، ينظر إلى الابن الأكبر غالبًا باعتباره "التجربة الأولى" والإنجاز المبكر، فيُحمَّل المسؤولية ويُمنح تقديرًا خاصًا. وفي المقابل، قد يحظى الابن الأصغر، "آخر العنقود"، بقدر أكبر من الحماية والتدليل بحكم فارق العمر، وبحكم أنه عادة ما يقضي السنوات الأخيرة مع الآباء في كبرهم.
أما الدكتورة رحاب العوضي، أستاذة علم النفس السلوكي، فأشارت إلى أنه لا يمكن إغفال أثر الثقافة في مسألة "الابن المفضل"؛ ففي بعض المجتمعات العربية ما زالت الأفضلية للذكر حاضرة بدافع اعتبارات الإرث و"حمل اسم العائلة" وتولّي شؤونها، وهو ما ينعكس على توزيع الامتيازات والفرص داخل الأسرة.
هل "الابن المفضل" هو الرابح بالضرورة؟

صدر الصورة، Getty Images
المفارقة أن الابن المفضل غالبًا ليس أكثر سعادة؛ فالمكانة العليا تجلب معها ضغوطا نفسية كبيرة، من توقعات متزايدة للوالدين إلى شعور دائم بعدم الأمان النفسي. أما الأبناء غير المفضلين، فقد يشعرون بالغربة أو الإقصاء، وقد تتشكل لديهم مشاعر الغيرة أو الحقد، ما ينعكس على علاقاتهم العاطفية والاجتماعية لاحقًا، حتى في حياتهم المهنية.
وأوضحت الدكتورة ياسمين أن الابن المفضل عادة ما يعاني بسبب هذا التفضيل. تقول: "الابن المفضل غالبًا ما يعيش تحت ضغطٍ دائم للحفاظ على الصورة المثالية التي رسمها له والداه. يخشى الخطأ لأنه يهدد مكانته، ويشعر بثقل التوقعات المرتفعة".
وتضيف أن هذا الابن قد يعاني عزلة عن إخوته، الذين يرونه مستفيدًا من امتيازات غير عادلة، ما يخلق فجوة عاطفية يصعب ترميمها لاحقًا.
"ندوب نفسية" لغير المفضلين
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
أما الأبناء غير المفضلين، فقد يتسلل إليهم شعور دفين بعدم الكفاية أو بعدم الاستحقاق، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على علاقاتهم العاطفية أو المهنية، إذ يصبح تقديرهم لذواتهم هشًا، ويتأثر بشدة بأي شعور بالإقصاء أو التهميش.
وتؤكد الدكتورة رحاب العوضي أن أخطر صور التفضيل هي المقارنة العلنية: حين يُمدح أحد الأبناء أمام الآخرين بوصفه "الأفضل" أو "الأذكى"، أو حين تُسند إليه أدوار قيادية داخل البيت على حساب بقية الإخوة، أو حين يُستر على أخطائه بينما تُضخَّم أخطاء غيره.
وتضيف أن الأطفال غير المفضلين يعانون من مشاعر عدم الاستحقاق والوحدة، وقد يسعون لتعويض هذا النقص بالارتباط أكثر بالمجتمع الخارجي، مثل الأصدقاء والمدرسة، بدلًا من الأسرة. تقول: "هؤلاء الأطفال غالبًا يشعرون بأنهم من الدرجة الثانية، ما ينعكس على شخصيتهم وسلوكياتهم لاحقًا، فتظهر آثار مثل ضعف الثقة بالنفس، إيثار الآخرين على حساب الذات، وحتى صعوبة بناء علاقات مستقرة".
وتضيف: "حتى بعد أن يصبحوا بالغين، تستمر هذه الندوب النفسية، وقد يؤدي ذلك أحيانا إلى ابتعادهم عن الأسرة أو حدوث فجوات عاطفية مع إخوتهم، خاصة إذا كان التفضيل قد مورس علنا".
كيف يمكن تصحيح المسار؟
يشير مختصون في مجال الإرشاد الأسري إلى أن الحل لا يكمن في إنكار المشاعر، بل في إدارة السلوك. فالعدل لا يعني التطابق التام في كل شيء، بل يعني إشباع احتياجات كل طفل دون إشعاره بأنه أقل قيمة من غيره. كما أن الوعي الذاتي للوالدين بخلفياتهما النفسية وتجربتهما في الطفولة يسهم في كسر الحلقة قبل أن تنتقل إلى الجيل التالي.
وتؤكد الدكتورة ياسمين سليمان أن على الآباء الانتباه إلى أبرز الممارسات التربوية الخاطئة التي قد تكرس شعور الأطفال بالتمييز، مشيرة إلى أهمية الاستماع إلى مشاعر الأبناء، كما أوصت بعدم إخفاء أخطاء الابن المفضل والتضخيم عند غيره، ما يعطي الانطباع بأن هناك معيارا مزدوجا في تقييم السلوك. هذا بالإضافة إلى عدم تحميل الابن المفضل أدوارا ومسؤوليات غير عادلة تحت مسمى الثقة أو الاعتماد عليه، بينما يُحرم الآخرون من فرص مشابهة.
ولكن هل يمكن أن يكون شعور الطفل بعدم التفضيل مجرد وهم؟
هذا السؤال طُرح على الدكتورة ياسمين، فأكدت أن مشاعر الأطفال لا تنشأ من فراغ. فالطفل حين يعبّر عن إحساسه بالظلم أو التمييز، فإنه يصف تجربة داخلية حقيقية بالنسبة إليه، حتى لو لم يكن القصد موجودًا. وأوضحت أن الإشكال لا يكمن فقط في حدوث التفضيل، بل أحيانًا في إنكار وجود المشكلة والاكتفاء بالتأكيد على أن المعاملة متساوية.
فالطفل الذي يصرّح بأنه غير مُفضل غالبًا ما يكون متأثرًا بمواقف أو إشارات متكررة كوّنت لديه هذا الانطباع. لذلك يظل الإصغاء الجاد لمشاعره خطوة أساسية لفهم ما يحدث، لأن إحساسه ليس وهمًا بقدر ما هو استجابة لما يدركه ويختبره في محيطه الأسري.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نستطيع أن نحب أبناءنا بصدق دون أن نحملهم أعباء أحلامنا أو مخاوفنا القديمة؟




























