هل تعيد الحرب ترتيب السياسة المالية وأولويات الإنفاق في دول الخليج؟

رجل يرتدي زياً خليجياً ويمشي أمام أعلام دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمته التي عقدت في مدينة الكويت أواخر عام 2017

صدر الصورة، Getty Images

    • Author, منال خليل
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب تبدو الخريطة الخليجية وكأنها تدخل مرحلة مفتوحة من المخاطر، إذ يتصاعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وتطال هجمات إيرانية دولًا خليجية ومنشآتها وبناها التحتية الحيوية، وتتواصل التهديدات لحركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. ويتزامن ذلك كلّه مع عودة التصعيد بين حركة أنصار الله الحوثية والسعودية. وأمام هذا كلّه، لم يعد في وسع حكومات الخليج التعامل مع الحرب بوصفها أزمة أمنية فحسب.

أنفقت دول الخليج خلال السنوات الماضية مليارات الدولارات على التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، لكنّ حالة "عدم اليقين" تفرض عليها الآن سؤالًا مختلفًا: هل يستمر الإنفاق بالوتيرة نفسها، أم يعاد ترتيب الأولويات بحيث تتقدم مشاريع الأمن الاقتصادي وحماية الطاقة والموانئ وسلاسل التوريد والأمن الغذائي والبنية التحتية الحيوية على ما عداها من مشاريع اقتصادية طموحة؟

تراجعت تدفقات النفط من المنطقة بصورة كبيرة مع استمرار الاضطرابات في هرمز والبحر الأحمر، بينما لجأ بعض دول الخليج إلى مسارات تصدير بديلة لتخفيف أثر الاختناقات البحرية.

صورة تعبيرية لتأثير الصراعات الدولية على تذبذب أسعار النفط والطاقة، يظهر فيها جانب من كوكب الأرض وأمامه مضخات نفط وفوقهما رسم بياني يتصاعد قليلاً ثم يأخذ في الهبوط

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، انخفض حجم الصادرات النفطية من الخليج مع التصعيد الإقليمي

صحيح أن ارتفاع الأسعار قد يمنح الحكومات الخليجية إيرادات إضافية، لكنه يأتي في وقت ترتفع فيه كلفة حماية المنشآت والنقل والتأمين من مخاطر الحرب، بينما يمكن أن يؤدي استمرار اضطراب التجارة والطاقة إلى إضعاف قطاعات غير نفطية كانت دول الخليج تراهن عليها لتحقيق التنويع.

تيم كالين، وهو باحث زائر في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، سبق أن شغل منصب مدير مساعد في قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، يقول إنّ دول مجلس التعاون الخليجي كلّها، باستثناء البحرين، تتمتع بأوضاع مالية قوية، ولذلك كانت في وضع جيد عند اندلاع الحرب لامتصاص تداعياتها.

ويضيف لبي بي سي نيوز عربي أن تأثير الحرب على إيرادات النفط والغاز اختلف من دولة إلى أخرى. فالدول التي لا تزال قادرة على التصدير، مثل سلطنة عُمان والسعودية والإمارات، استفادت من ارتفاع الأسعار حتى مع انخفاض حجم الصادرات، بينما شهدت الكويت والبحرين وقطر تراجعًا في إيرادات النفط.

إدارة المخاطر كانت دائمًا على رأس الأولويات الخليجية، يقول كالين، لكنه يرى أن الأولوية اليوم تتمثل في الحاجة إلى زيادة الإنفاق العسكري والأمني، إلى جانب تقديم الدعم الاقتصادي للشركات والأفراد المتضررين.

كما يعتبر كالين أن تطوير مسارات بديلة لسلاسل الإمداد سواء لصادرات النفط أو للصادرات والواردات غير النفطية، فضلا عن الإنفاق على البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، من الأولويات أيضا.

صورة لمياه خليج عمان تظهر فيها سفن من بعيد

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، مع انخفاض حجم الصادرات النفطية جرّاء اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، لجأت دول خليجية إلى مسارات تصدير بديلة

وكانت السعودية قد أقرّت آلية لتأمين البضائع والسفن ضد أخطار الحرب، عبر إنشاء "الوعاء السعودي لتأمين أخطار الحرب للبضائع والسفن"، وهو يستهدف توسيع قدرة سوق التأمين على تغطية هذه المخاطر عبر شراكة بين القطاعين العام والخاص، بحسب وزير المالية السعودي محمد الجدعان.

من تمويل الطموحات إلى إدارة المخاطر؟

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

على مدى السنوات الماضية، كانت الأولوية الخليجية واضحة: تقليص الاعتماد على النفط، وجذب رأس المال الأجنبي، وتطوير السياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، وتحويل عواصم الخليج إلى مراكز اقتصادية عالمية.

الحرب لا تلغي هذه الأهداف، لكنها تعيد ترتيب الأولويات.

في حديثها لبي بي سي نيوز عربي، تقول فيكي برايس وهي كبيرة المستشارين الاقتصاديين في مركز بحوث الاقتصاد والأعمال، إن دول الخليج حاولت تنويع اقتصاداتها والحد من اعتمادها على عائدات النفط والغاز، ونجحت في استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة، ولكن بدرجات متفاوتة من دولة إلى أخرى.

لكنّ الحرب، وفق برايس، أظهرت أن النفط والغاز لا يزالان يحتفظان بأهمية كبيرة، ليس في نظر المستثمرين فحسب، بل على أرض الواقع أيضًا، بالنظر إلى التأثير الذي يمكن أن يلحق باقتصادات دول الخليج جرّاء أي اضطراب في إنتاج النفط والغاز، بما في ذلك مستويات إنتاج المصافي.

وفي ظل الدمار والتهديدات الناجمة عن الحرب، لا سيما تلك التي تطال سلاسل التوريد، ترى برايس أن التركيز سينصبّ على توجيه الإنفاق الجديد، أو حتى تحويل الموارد التجارية وموارد الصناديق السيادية، نحو مشاريع محلية تعزز الأمن والدفاع، مما قد يُعيق طموحات النمو والتنويع التي كانت سائدة قبل الحرب.

أما كالين فيرى أن التحول الاقتصادي لا يزال هدفًا بالغ الأهمية لدول الخليج، إذ نشهد استمراراً لإبرام صفقات لتحقيق هذا الهدف، لكنه في المقابل يرى أن أكبر التغييرات سيتمثل في زيادة التركيز على البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، سواء من خلال إنشاء خطوط أنابيب جديدة، أو تطوير الموانئ، أو تحسين الطرق والسكك الحديدية، إلى جانب التركيز على الدفاع والأمن.

ومع ذلك، لا يرى أن الأولويات السابقة ستتغير بشكل جوهري، إذ سيظل هناك تركيز برأيه على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، والترفيه، والرياضة، والطاقة البديلة.

صورة تعبيرية لمدينة الرياض ليلاً تظهر فيها مبان مثل برج المملكة

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، كالين: التحول الاقتصادي لا يزال هدفًا بالغ الأهمية لدول الخليج

الاقتراض أم الاحتياطيات والصناديق السيادية؟

لطالما شكّلت صناديق الثروة السيادية إحدى الأدوات لتعزيز قدرة دول الخليج على الصمود وتنويع اقتصاداتها، مع الإشارة إلى أن أحجام هذه الصناديق تختلف من دولة إلى أخرى، تقول برايس، كما أن بعض الصناديق يتمتع بسيولة أقل من غيره، وهو ما يعني أنه يوفر هامش أمان محدوداً في الفترات التي ترتفع فيها الحاجة إلى السيولة، كما هو الحال الآن.

وفي ظل الوضع الحالي والتصعيد المستمر على أكثر من جبهة، هل ستلجأ الحكومات الخليجية بصورة أكبر إلى الاقتراض وإصدار السندات، أم إلى الاحتياطيات والصناديق السيادية، أم إلى مزيج من هذه الأدوات لتمويل الاحتياجات الجديدة؟

يرجّح تيم كالين أن تلجأ دول الخليج إلى هذه الأدوات كلّها، مع احتمال أن يختلف ذلك من دولة إلى أخرى، ويقول إن حجم الاقتراض المطلوب سيعتمد على مسار إيرادات النفط وعلى مدى طموح خطط الإنفاق.

ويضيف أن معظم دول الخليج لا يزال يتمتع بقدرة كبيرة على الاقتراض، فضلًا عن أنّ تلك الدول تملك، عبر صناديق الثروة السيادية وغيرها، أصولًا ضخمة يمكنها التصرّف فيها.

وقد سمحت الكويت في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري بالاقتراض من احتياطي الأجيال القادمة لدعم الاحتياطي العام للدولة، في إطار ظروف وضوابط وشروط محددة.

كان صندوق احتياطي الأجيال القادمة قد أُنشئ عام 1976 بمرسوم أميري، وهو صندوق سيادي أُنشئ لادّخار جزء من إيرادات الدولة لصالح الأجيال المقبلة، من خلال تخصيص نسبة عشرة في المئة من إيرادات الدولة سنوياً لهذا الصندوق.

وقد لجأت الكويت إلى صندوق الأجيال القادمة للمرة الأولى عام 1990، بعد الغزو العراقي لإعادة الإعمار.

وكانت قطر قد أعلنت عن إجراءات ظرفية احترازية مرتبطة بالمصاريف التشغيلية بسبب وجود حرب في المنطقة.

في المحصلة، من المرجح أن سيناريو طويل الأمد من «اللاحرب واللاسلم» سيؤثر بشكل خاص على الاستثمار الأجنبي والسياحة في دول الخليج، الأمر الذي سيكون له أثر سلبي على النمو وسيصعّب تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي.