الصين تجبر مبابي على الاعتذار، لكن كثيرين لا يعرفون بالضبط ما قاله

الصين تجبر مبابي على الاعتذار، لكن كثيرين لا يعرفون بالضبط ما قاله
Published
مدة القراءة: 4 دقائق

بينما كان كيليان مبابي يحضر حفل توزيع جوائز الكرة الذهبية في لندن مساء يوم الاثنين الماضي، وجد نفسه في قلب جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي في الصين.

فقد عثر مشجعو كرة القدم على مقطع فيديو يظهر فيه مبابي وهو يمزح بشأن صورة ساخرة يقول إنها تثير ضحكه أكثر من غيرها؛ حيث يبرز وجهه مركّباً على صورة "ديكتاتور صيني" يشبه ماو تسي تونغ، الذي شهدت حقبته واحدة من أكثر فترات تاريخ البلاد دموية.

انتشر الجدل كالنار في الهشيم؛ إذ بدأت العلامات التجارية الصينية بقطع علاقاتها معه واحدة تلو الأخرى، كما علّقت "مجموعة الصين للإعلام" - الجهة الأم لهيئة البث الحكومية "سي سي تي في" - بث مباريات الدوري الإسباني الممتاز. وصرّح متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قائلاً: "إن الأقوال والأفعال التي تجرح مشاعر الشعب الصيني ستواجَه حتماً بمعارضة جماعية من جميع قطاعات المجتمع الصيني".

لكن على شبكة الإنترنت في الصين، نادراً ما جرى توضيح ما هي تلك الأقوال والأفعال بشكل صريح، أو حتى ذكر اسم ماو تسي تونغ الذي لا يزال يحظى بمكانة شبه مقدسة في البلاد.

ونظراً لنظام الرقابة المتطور في الصين، الذي يعزل نحو 1.4 مليار نسمة عن شبكة الإنترنت العالمية، لم يكن كثيرون على دراية بما حدث بالضبط.

ويبدو أن مجرد توجيه اتهام بـ"جرح مشاعر الشعب الصيني" كان كافياً لإثارة موجة عارمة من الغضب، وهي موجة تضاعفت حدّتها بفعل خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي وبيئة الإنترنت الخاضعة لرقابة صارمة، حيث يخشى الأفراد إبداء آراء مخالِفة للتوجه العامّ.

تعدّ "إهانة" أو "تشويه سمعة" شهداء الحزب الشيوعي وأبطال الحرب في الصين أمراً غير قانوني
التعليق على الصورة، تُعدّ "إهانة أو تشويه سمعة شهداء الحزب الشيوعي وأبطال الحرب" في الصين أمراً غير قانوني

ولم يمضِ وقت طويل حتى أعرب مبابي، الذي يُعد أحد أبرز نجوم كرة القدم في العالم، عن "أسفه العميق" لما وصفه بتعليقه "غير الموفق". كما أصدر ناديه، ريال مدريد، ورابطة الدوري الإسباني الممتاز اعتذارات أيضاً؛ نظراً لأن الصين تمثل سوقاً ضخمة للعبة الأكثر شعبية في العالم.

وفي وقت لاحق، أكدت بكين أنها تأخذ اعتذار اللاعب "على محمل الجد"، في حين لم توضح "مجموعة الصين للإعلام" بعدُ ما إذا كانت ستستأنف بث المباريات.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

لكن الغضب في الفضاء الإلكتروني ظل حاضراً.

وجاء في أحد التعليقات البارزة على منصة "ويبو": "الاعتذار هو أقل ما يمكنه فعله، لكنني لن أسامحه. أنا أؤيد فرض حظر عليه". لم يذكر مبابي اسم "ماو" صراحةً في المقابلة، لكنّ كثيرين رأوا أن أي مزحة تتناول مؤسس الصين الشيوعية قد تجاوزت الحدود.

وجاء في أحد التعليقات على منصة "ويبو" - والذي حظي بإعجاب أكثر من 700 مستخدم: "هل تدرك من الذي أسأتَ إليه؟ إنه الركيزة الروحية للشعب الصيني".

وكتب آخر: "إنه الشخصية الأهم في تاريخنا. هل تظن أن مجرد اعتذار بسيط يمكن أن يصلح كل شيء؟".

ومن المفارقات أنه، رغم ردود الفعل الغاضبة، لا يزال كثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية يتساءلون عما قاله المهاجم الفرنسي بالضبط. وقد لجأ البعض إلى روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، لكنها تخضع لنفس قيود الرقابة المفروضة على الإنترنت في الصين، فلم تقدم أي إجابات. أما الآخرون الذين حاولوا التوضيح، فقد تجنبوا ذكر اسم "ماو" بشكل مباشر.

واكتفى البعض بالإشارة إليه بعبارات مثل "الشخص الموجود على ورقة الـ100 يوان" أو "المعلم" - وهو لقب كان ماو يطلقه على نفسه. كما تم تداول لقطات للمزحة والمقابلة، مع طمس كلمة "ديكتاتور" وإخفاء وجه مبابي.

ولم يشر بيان وزارة الخارجية الصينية، ولا حتى الاعتذارات التي قدّمها مبابي ونادي ريال مدريد ورابطة الدوري الإسباني الممتاز، إلى "ماو" بشكل مباشر.

قطعت شركة منغنيو للألبان - وهي راعٍ رسمي لكأس العالم لكرة القدم - علاقاتها مع لاعب كرة القدم، وذلك في أعقاب ردود الفعل الغاضبة
التعليق على الصورة، قطعت شركة منغنيو للألبان - وهي راعٍ رسمي لكأس العالم لكرة القدم - علاقاتها مع لاعب كرة القدم، وذلك في أعقاب ردود الفعل الغاضبة

يُذكر أن ماو - الذي قاد الحزب الشيوعي الصيني لتحقيق النصر في الحرب الأهلية وأسّس جمهورية الصين الشعبية - قد توفي عام 1976.

ورغم الاضطرابات التي شهدتها فترة حكمه - بما في ذلك سياسة "القفزة الكبرى للأمام" و"الثورة الثقافية"، التي تسببت في مجاعة أودت بحياة عشرات الملايين وأدت إلى عمليات تطهير عنيفة في المجتمع الصيني - لا يزال ذلك الزعيم شخصية تحظى بالتبجيل في الصين.

أيضاً، ما زالت صورة ماو تعلو ساحة "تيانانمن" في بكين، وهو ما يعكس مكانته الكبيرة في الوعي الصيني المعاصر. كذلك، وعلى عكس القادة الصينيين السابقين الآخرين، لا يزال جثمان ماو المحنط معروضاً للجمهور هناك، حيث يجذب عشرات الآلاف من الزوار يومياً. وفي السنوات الأخيرة، عاد الاهتمام بشخصيته للظهور بين الشباب الذين باتوا يقرؤون مؤلفاته ويشاهدون مقاطع له عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتعمل كتب التاريخ في الصين على التقليل من شأن الدمار الذي حدث خلال فترة حكم ماو؛ إذ يرى الحزب الشيوعي الصيني أن إنجازاته تفوق أخطاءه، وأنه "ثوري عظيم وماركسي عظيم".

أما خارج الصين، فينظر التاريخ إلى ماو باعتباره ثورياً وديكتاتوراً في آنٍ واحد. ونتيجة لذلك، تباينت ردود الفعل في أوساط الصينيين المقيمين في الخارج - سواء كانوا من المعارضين السياسيين أو من الأشخاص الذين فرّت عائلاتهم من الصين قبل عقود، في أعقاب حقبة حكم ماو.

وجاء في أحد التعليقات - الذي كُتب باللغة الصينية وحظي بتفاعل واسع - تحت منشور كيليان مبابي على منصة إكس: "لا داعي للاعتذار، فأنت لم تخطئ".

وكتب مستخدم صيني آخر: "من ينبغي عليه الاعتذار هو الحزب الشيوعي الصيني؛ فقد اختطف الشعب الصيني وغسل أدمغتهم".

وعلى منصتَي إكس وثريدز - اللّتين لا يمكن الوصول إليهما داخل الصين - أثارت هذه القضية موجة من الصور الساخرة (الميمز)؛ حيث ظهر في بعضها وجه مبابي مركّباً على صور لماو، بينما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك بوضع وجه النجم الفرنسي على جسد الزعيم الصيني الحالي شي جين بينغ.

وقطعت شركة "منغنيو" للألبان - وهي راعٍ رسمي لكأس العالم وإحدى المجموعات الاقتصادية الكبرى في الصين - علاقتها مع لاعب كرة القدم عقب هذه الموجة من الانتقادات.

أما بقية مستخدمي الإنترنت، فقد سادت بينهم حالة من الحيرة.

"بصراحة، من الصعب فهم الأمر... يبدو أنه ليس مسموحاً للناس بالتحدث علناً ضد قادتهم. وهل يتوقعون من العالم بأسره أن يفكر بنفس بالطريقة التي يفكرون بها؟ هذا أمر سخيف!"، كان هذا أحد التعليقات البارزة أسفل اعتذار نادي ريال مدريد على منصة إنستغرام.

وكتب مستخدم آخر على منصة إكس: "كيف تجرؤون على وصف دكتاتور بأنه دكتاتور؟ هذا أمر فظيع!".