ماذا يكشف نسيج "بايو" عن أسرار العصور الوسطى من جنس ودماء؟

    • Author, ديبورا نيكولز لي
    • Role, بي بي سي
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

تروي هذه القطعة الفنية المعروفة باسم نسيج "بايو"، والتي ترجع إلى القرن الحادي عشر، قصة صراع على العرش وموضوعات تقترن فيها الرجولة بالقوة، فضلاً عن قصة تبدو مألوفة في وقتنا الحاضر.

ويتناول نسيج "بايو"، الذي يُعرض قريباً في المملكة المتحدة، قصة دامية، وفاضحة أحياناً، عن الغزو النورماني لإنجلترا.

وجدير بالذكر أن هذه القطعة الفنية الدقيقة طُرّزت على نسيج الكتان بطول 70 متراً، وتبرز أحداثاً عن وعود منكوثة وجشع وعدوان، وتبلغ ذروة قصتها بمصرع الملك هارولد الثاني في معركة هاستينغز.

وبعد نحو ألف عام، يعود هذا العمل الفني الفريد من نورماندي في فرنسا إلى إنجلترا، حيث حيك بمهارة في سبعينيات القرن الحادي عشر، ومن المقرر عرضه في المتحف البريطاني اعتباراً من شهر سبتمبر/أيلول المقبل.

إنه عمل فني يصوّر نسخة من العصور الوسطى لما يُعرف اليوم بعالم الذكورية الرقمي، أيدولوجية وعالم يبرز منهما ذكورة مفرطة وتجارب الرجال، عالم يكون فيه للحجم شأن كبير.

احتلت إسهامات الرجال مركز الصدارة في مجتمع القرن الحادي عشر الذي يصوره النسيج، فثُلث الرجال فيه مسلحون، فيما ينهمك آخرون بنشاط قطع الأشجار وبناء القوارب وأعمال البناء، كما يتهيأ حطّاب، يمتطي جذعاً من الخشب، لاستخدام فأسه، ويلوّح صيادون بهراوات ضخمة فوق رؤوسهم وهم يطاردون فرائسهم.

ويقول كريستوفر مونك، مؤرخ متخصص في تاريخ إنجلترا العصور الوسطى: "يصعب رصد مشهد أكثر تشبعاً بالتستوستيرون من هذا".

ويكشف هذا الاستعراض الإيحائي، الرامي إلى المبالغة في استعراض الرجولة في مجتمع العصور الوسطى، أن هذا المجتمع صُنع من أجل الرجال وبأيديهم، ويصدّر فكرة حسم العنف للخلافات، وتحقيق الفكاهة مكاسب سياسية، كما يعيث رجال مسلحون فساداً في هاستينغز، بينما يُجرَّد الجنود القتلى، في الهامش الزخرفي السفلي للنسيج، من ثيابهم للاستحواذ على دروعهم، تماماً كما يُجرَّد هارولد، الذي قُتل فوقهم، من حق مطالبته بالعرش.

ويسهم كل ذلك في تهيئة الأجواء المشحونة لمواجهة وشيكة بين رجلين مهيمنين هما: ويليام، دوق نورماندي؛ وهارولد غودوينسون.

صور قضيب متكررة

إذا كانت ثمة صورة متكررة في هذا العمل الفني الأيقوني، فهي للقضيب، ففي عام 2018، أحصى جورج غارنيت، أستاذ تاريخ العصور الوسطى في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، 93 نموذجاً في التطريز كان معظمها لقضيب منتصب، منها 88 لخيول، وخمسة أخرى لرجال، مع وجود غمد متدل، يستبعده غارنيت من الإحصاء، أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية.

وتقول جانينا راميريز في كتابها "فيمينا: تاريخ جديد للعصور الوسطى، من خلال نساء جرى استبعاد ذكرهن منه"، الذي صدر عام 2022: " للحجم أهميته في نسيج بايو"، وتلاحظ أنه في قصة العرش المتنازع عليه، التي يسجلها النسيج، تقترن الرجولة بالقوة وبأكبر الأعضاء البارزة، وأن "أكبرها وأكثرها تباهياً يعود إلى الحصان الفحل الذي يُقدَّم لويليام عشية المعركة"، ثم يأتي في المرتبة الثانية حصان الملك هارولد، "بما يوحي بأنه خصم جدير بالمواجهة".

كان تصوير العري الصريح أمراً مألوفاً في الأعمال الفنية خلال القرن الحادي عشر، ومن المحتمل جداً أن تكون راهبات قد شاركن في تطريز صورة هذه الأعضاء الذكورية.

ويقول مونك لبي بي سي: "تعكس الصور أمراً جلياً في مجتمع النخبة خلال العصور الوسطى، إذ كان الرجال، في الغالب، هم المحرك الرئيسي للأحداث السياسية"، ويصف "استخدام الأعضاء التناسلية الذكورية، سواء البشرية منها أو أعضاء الخيول" بأنها "رمز للذكورية السياسية المتباهية في سياق الانتقال إلى العالم الأنغلو-نورماني الجديد في إنجلترا خلال العصور الوسطى".

وإذا كان حضور النساء في تطريز نسيج "بايو" محدوداً، فإن السبب الرئيسي هو أن "السرد يتمحور حول أفعال الرجال"، وفقاً لإميلي جوان وارد، المحاضرة في تاريخ العصور الوسطى بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة، إذ تقول في حديث لبي بي سي إن النسيج "يتضمن في معظمه تصويراً لرجال يشاركون في نشاط عسكري، وبالطبع في مشاهد المعارك تلك لا نتوقع وجود نساء".

ويعتقد المؤرخون أن الراعي المرجح لهذا النسيج هو أودو، أسقف بايو والأخ غير الشقيق لويليام، الذي يحتل حضوراً بارزاً فيه، وربما استخدم النسيج للتأكيد على دوره المهم في الحملة الرامية إلى إرساء حكم ويليام الشرعي.

وتقول وارد: "من المرجح أن يكون محتوى النسيج صُنع بطريقة تروّج لذكر أعمال أودو في محيط عائلته وفي دائرته الاجتماعية المباشرة، التي ستكون في معظمها دائرة اجتماعية من الرجال"، ومع وجود راع نورماني، كان يتعين أن تكون الرسالة منسجمة مع هويته.

وتضيف أن "إدخال عدد كبير من النساء في القصة كان ينطوي في الواقع على قدر من المخاطرة، فمحاولات ويليام تأكيد شرعيته في العرش عبر إثبات النسب الأنثوي ربما جعلت المصمم أو الراعي حذراً من تسليط الضوء على هذا الادعاء الواهي".

ست نساء في النسيج

تؤدي النساء في صلب القصة في الغالب ما يسميه مونك "علامات ترقيم عاطفية"، فالملكة إديت، وهي شخصية بالغة النفوذ في سياسات البلاط، تمسح دموعها بمنديل بينما يلفظ زوجها، إدوارد المعترف، أنفاسه الأخيرة، وتفرّ امرأة مع طفلها بينما يُضرم جنود نورمانديون النار في منزلهما بلا اكتراث.

وبغضّ النظر عن التعبيرات والأبعاد الغريبة، فإن هذا المشهد يذكّرنا، بحسب وارد، "بأن الحرب ليست حدثاً يهيمن عليه الرجال فحسب، وليست مجرد أحداث في ساحة المعركة".

وتستشهد وارد بالمؤرخة كاثرين كاركوف، التي تلاحظ أن النساء يظهرن في لحظات تتغير فيها موازين القوة، وتضيف: "إذا فسّرنا الأمر على هذا النحو، فإنه يمنحهن دوراً قوياً للغاية في النسيج".

كما تقودنا الحدود الزخرفية، أعلى وأسفل النسيج، إلى عالم أكثر نزوعاً إلى التمرد، بفضل انتقادات مشفّرة لشخصيات رئيسية، وهي انتقادات مقدمة غالباً في صورة قصص رمزية، وهنا تحديداً تظهر ثلاث نساء.

في الهامش الزخرفي السفلي، تتراجع امرأة خائفة أمام شخص يعتدي عليها جنسياً، يُعتقد أنه والدها، وفي موضع آخر، في الهامش الزخرفي العلوي، تظهر امرأتان عاريتان تشيران بإيماءات نحو رجال عراة، ويُعتقد أن ظهورهما يرتبط بقصص عن امرأة فاتنة وعاهرة استخدمتا جسديهما لخداع الآخرين، في تلميح إلى القسم الذي نقضه هارولد.

وتغيب عن النسيج ابنة ويليام، أغاثا النورماندية، التي عُرضت على هارولد للزواج بها، في إطار صفقة جزئية مقابل التاج، وتلفت المؤرخة وارد إلى أننا نشاهد سفينة ويليام الفخمة، وهي أكبر وأسرع سفينة في الأسطول النورماني، وتحمل اسم "مورا"، لكننا لا نرى زوجته القوية ماتيلدا الفلمنكية، التي دفعت ثمن السفينة لتسهيل النجاح العسكري الذي كان سيجعل منها ملكة.

حركة "أنا أيضاً" في العصور الوسطى

تظهر شخصية غامضة ترتدي عباءة يعرف اسمها بـ "أيلفغيفا"، وتظهر صورة كاهن يرتدي عباءة خضراء، ويمد يده نحو وجهها، بينما يقلد حركته في الهامش الزخرفي رجل عار ذو أعضاء تناسلية كبيرة، وتعددت التكهنات بشأن هويتها وسبب وجودها في النسيج.

ويبدو أن رأي ديفيد موسغروف، المؤلف المشارك لكتاب "قصة نسيج بايو" الصادر عام 2026، ينطوي على شيء من المنطقية، إذ يشير إلى أن التحرش الجنسي الذي كان يمارسه الكاهن يثير استنكاراً في لحظة أشبه بحركة "أنا أيضاً" في العصور الوسطى.

بيد أن آخرين كانوا أكثر استهاناً بالأمر، وعلّق مؤرخ في القرن الماضي قائلاً: "بما أن المشهد لا يضيف شيئاً إلى القصة، سوى لحظة من الالتباس، فقد رأينا أن من حقنا استبعاده".

وكما كان الرهبان يدرجون الرسوم التوضيحية في هوامش المخطوطات، فمن المحتمل أن تكون السيدات اللواتي عملن في تطريز النسيج قد مُنحن قدراً من الحرية الإبداعية في وضع هذه التعليقات المشفّرة على القصة الرئيسية.

ويقول مونك لبي بي سي: "لا شك أنهن كن يعملن وفق تصميم محدد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهن كن مجرد عاملات ينفذن رغبة شخص آخر، أو ينفذن كل تفصيلة تُملى عليهن".

أمّا النساء الخفيّات، اللواتي يقفن وراء هذه التحفة الفنية، فربّما كانت لهن الكلمة الأخيرة في الهامش الزخرفي، ويتساءل مونك: "هل كانت تلك وسيلة للتعبير عن اليأس من رجال يتسمون بالعدوانية، أم وسيلة للتعبير عن محنتهن الخاصة بوصفهن نساء إنجليزيات خاضعات؟ هل ثمة أي إحساس بالسخرية، ولا سيما من ويليام؟ أم أنهن كن يمارسن روحاً مرحة من الفكاهة الشعبية لتمضية الوقت؟".

ويقول: "ربما من المستحيل الإجابة عن هذه الأسئلة، لكن ينبغي لها أن تدفعنا إلى التأمل في حقيقة أن نسيج بايو لم يكن ليبقى تحفة فنية إلا بفضل العمل الماهر والذكي للنساء".

كما نجحت الحساسية الفيكتورية في نهاية المطاف في كبح بعض مظاهر الذكورية التي اتسم بها النسيج الأصلي، ففي نسخة طبق الأصل، أُنجزت عام 1885 على يد مجموعة من 35 امرأة منتميات إلى جمعية تطريز "ليك"، ومعروضة حالياً في متحف ريدينغ، لا تزال الجيوش المتقدمة تعج بالرجال، بيد أن الأعضاء الضخمة للخيول تراجعت، وليس مفاجئاً أن الرجل العاري ذي الأعضاء التناسلية الكبيرة، الذي كان يحاكي الكاهن في الهامش الزخرفي، يظهر بأبعاد أكثر واقعية.

والأهم من ذلك، أن نسخة عام 1885، بإضافتها هامشاً زخرفياً آخر كتبت فيه كل عاملة بالتطريز اسمها، أسهم في تكريم العاملات وأثبت حضوراً نسائياً واضحاً.

وتشير راميريز: "في حين أنه لا يمكن لأحد أن يتصور مناقشة لوحة ليلة النجوم دون ذكر فان غوخ، فإن قلة تبدأ الحديث عن نسيج بايو وهي تفكر في النساء اللواتي صنعنه".

وإذا كان عالم الذكورية، سواء حديثاً أم من العصور الوسطى، يروي حكايات عن قوة الرجال، فإن وجود هذا العالم قد يكون معتمداً على النساء اللواتي يحاول هذا العالم إقصاءهن.