ما الذي يدفع الشباب العربي للمخاطرة بحياته في هجرة غير نظامية؟

مهاجرون غير نظاميين، معظمهم من الشبان، يسيرون بعدما تمكنوا من دخول مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، عبر عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين الحدود برا وبحرا إلى مدينة سبتة، الخاضعة للإدارة الإسبانية.
Published
مدة القراءة: 4 دقائق

أعادت موجة العبور الجماعي غير المسبوقة من السواحل المغربية إلى مدينة سبتة، الخاضعة للإدارة الإسبانية، ملف الهجرة غير النظامية إلى صدارة النقاش في المنطقة العربية وأوروبا، بعدما حاول عشرات الآلاف الوصول إلى المدينة برا وبحرا، في واحدة من أكبر عمليات العبور الجماعي التي شهدتها الحدود الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.

وتختلف التقديرات بشأن العدد الإجمالي للذين دخلوا سبتة يومي الخميس والجمعة 30 و31 من يوليو/تموز، إذ قالت وزارة الداخلية الإسبانية إن نحو 50 ألف شخص عبروا الحدود، بينما قدر رئيس حكومة سبتة المحلية، خوان خيسوس فيفاس، العدد بنحو 60 ألفا، أي ما يعادل قرابة 70 في المئة من عدد سكان المدينة.

وبحلول مساء الجمعة، كان نحو 48 ألفا و300 شخص قد عادوا إلى المغرب، وفق السلطات الإسبانية.

غير أن الحصيلة الإنسانية للحادثة كانت فادحة، إذ أعلنت السلطات الإسبانية، الأحد 2 أغسطس/آب، ارتفاع عدد القتلى إلى 72 شخصا، توفي بعضهم غرقا، بينما قضى آخرون نتيجة التدافع والازدحام عند الحواجز البحرية والحدودية.

ووصف رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، ما حدث بأنه "انتهاك واعتداء على وحدة الأراضي الإسبانية"، مؤكدا أن حكومته ستستخدم الموارد اللازمة لإعادة الوضع إلى طبيعته.

شائعات على مواقع التواصل

وتشير الروايات التي نقلتها عدة وسائل إعلام، منها وكالة رويترز" للأنباء، عن عدد من المشاركين في عملية العبور غير الشرعية إلى أن كثيرين تحركوا بعدما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي "مقاطع مصورة ورسائل تزعم أن الحدود فُتحت"، وأن "حكما أصدرته المحكمة العليا الإسبانية سيحول دون إعادتهم إلى المغرب".

لكن الواقع أن الحكم المشار إليه، والذي أصدرته المحكمة العليا الإسبانية، في 29 يونيو/حزيران 2026، لا يمنح القادمين حق البقاء التلقائي في إسبانيا، وإنما قيّد عمليات الإعادة الفورية لمن يصلون بحرا إلى سبتة أو مليلية من دون دراسة أوضاعهم بصورة قانونية، مع إمكان إعادتهم لاحقا وفق الإجراءات القانونية المعتادة.

وتقول الحكومة الإسبانية إن شبكات تهريب المهاجرين استغلت الحكم وروّجت تفسيرا مضللا له لدفع أعداد كبيرة، معظمها من الشباب، إلى محاولة العبور.

ولم تكن الشائعات وحدها كافية لإحداث هذه الموجة، إذ وجدت هذه الشائعات طريقها إلى مجتمعات يعاني فيه قطاع واسع من الشباب من البطالة وضعف الدخل وصعوبة الحصول على فرص عمل مستقرة.

لماذا تتزايد الهجرة غير النظامية عربيا؟

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

لا يمكن تفسير الهجرة غير النظامية في المنطقة العربية بسبب واحد. ففي عدد من الدول، تمثل البطالة، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات، العامل الأكثر وضوحا.

وأشار تقرير لمنظمة العمل الدولية، نُشر في أغسطس/آب 2024، إلى أن "معدل بطالة الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بلغ 24.4 في المئة عام 2023"، مقارنة بمتوسط عالمي بلغ 13 في المئة خلال العام نفسه.

ولا تقتصر أسباب الهجرة غير النظامية على غياب فرص العمل، بل تشمل أيضا تدني الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وتدهور الخدمات الأساسية. وقد يجد بعض الشباب عملا، لكنه لا يوفر دخلا كافيا أو أمنا وظيفيا أو فرصة لتكوين أسرة، فيتحول التفكير في الهجرة من محاولة للهروب من البطالة إلى بحث عن مستوى أفضل من الحياة والاستقرار.

وأظهر استطلاع للباروميتر العربي، أُجري في المغرب خلال عامي 2023 و2024، أن نحو 35 في المئة من المشاركين أعربوا عن رغبتهم في مغادرة البلاد، وأن العوامل الاقتصادية شكّلت الدافع الأبرز لدى 45 في المئة من الراغبين في الهجرة.

كما أظهر الاستطلاع نفسه في تونس، خلال الفترة ذاتها، أن 46 في المئة من المستطلعة آراؤهم يرغبون في الهجرة، وهي أعلى نسبة سجلها الباروميتر العربي في تونس منذ بدء استطلاعاته فيها.

كذلك تدفع الحروب وانعدام الأمن أعدادا أخرى إلى سلوك الطرق غير النظامية. فالصراعات في السودان وسوريا واليمن وليبيا، إلى جانب الاضطرابات السياسية والأزمات الاقتصادية في دول أخرى، أنتجت موجات مختلطة تضم لاجئين فارين من ظروف الحرب أو الاضطهاد، ومهاجرين يبحثون عن العمل، وأشخاصا تجمع رحلتهم بين الدوافع الاقتصادية والأمنية.

وتلعب شبكات الأقارب والأصدقاء في الخارج دورا إضافيا، إذ تسهم قصص نجاح البعض في تكوين صورة عن أوروبا بوصفها مكانا يُوفر فرصا سريعة. في المقابل، نادرا ما تظهر في هذه القصص صعوبات اللجوء والإقامة، أو ما قد يتعرض له البعض من الاستغلال.

وتُؤكد منظمات دولية أن البطالة والفقر والصراعات وضعف الحوكمة وعدم المساواة عوامل متداخلة في تشكيل دوافع الهجرة غير النظامية.

طرق تحولت إلى مقابر مفتوحة

وشهدت السواحل الليبية والتونسية والمصرية خلال السنوات الماضية حوادث غرق متكررة، مع استخدام المهربين قوارب متهالكة أو مكتظة لا تحتوي في كثير من الأحيان على سترات نجاة أو وسائل اتصال وملاحة.

ففي أبريل/نيسان 2021، فُقد نحو 130 شخصا ولم ينجُ أحد بعد غرق قارب شمال غربي مدينة الخُمس الليبية. وفي فبراير/شباط 2023، أدى انقلاب قارب شرقي مدينة "قصر الأخيار" في ليبيا إلى وفاة 18 شخصا وفقدان 55 آخرين، بينما نجا سبعة فقط. وفي يناير/كانون الثاني 2026، قالت منظمة الهجرة الدولية إن 51 شخصا يُخشى أنهم لقوا حتفهم في حادث قرب طبرق.

وفي تونس، أصبحت سواحل صفاقس وقرقنة وجرجيس وجربة من أبرز نقاط انطلاق القوارب المتجهة نحو جزيرة لامبيدوزا الإيطالية. وخلال عام 2023، انتشل خفر السواحل التونسي جثث نحو ألف مهاجر غرقوا قبالة سواحل البلاد. وفي فبراير/شباط 2024، تُوفي 13 مهاجرا سودانيا وفُقد 27 آخرون بعد غرق قارب انطلق من صفاقس، بينما نجا شخصان فقط من أصل 42 كانوا على متنه.

كما شهدت مصر واحدة من أكثر كوارث الهجرة مأساوية في سبتمبر/أيلول 2016، عندما غرق قارب قبالة قرية برج رشيد، في أقصى شمال مصر، كان يحمل مئات المهاجرين غير النظاميين باتجاه أوروبا. وأسفر الحادث عن وفاة أكثر من 200 شخص، وفقدان عشرات آخرين، بينما أُنقذ نحو 162 شخصا.

وفي عام 2025 وحده، سجلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وفاة أو فقدان 1953 شخصا على مختلف الطرق البحرية المؤدية إلى أوروبا.

وتؤكد "المنظمة الدولية للهجرة" أن الأعداد الحقيقية للوفيات والمفقودين قد تتجاوز الأرقام المُعلنة، نظرا إلى صعوبة توثيق جميع الحوادث، خاصة حوادث غرق القوارب التي لا يُعثر فيها على ناجين.

ولا تقتصر المخاطر على الرحلات البحرية، إذ يتعرض كثير من المهاجرين غير النظامين خلال عبور الطرق البرية والصحراوية للابتزاز والاحتجاز والعنف والاستغلال والاتجار بالبشر.

برأيكم،

  • هل كشفت حادثة سبتة حجم الإحباط الذي يشعر به بعض الشباب المغربي؟
  • لماذا يغامر بعض الشباب العربي بحياتهم في رحلات الهجرة غير النظامية رغم المخاطر الكبيرة؟
  • إلى أي مدى تدفع الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة الشباب إلى اتخاذ قرار الهجرة؟
  • ما الذي يمكن أن تفعله الحكومات العربية للحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية؟
  • لو أتيحت للشباب فرص عمل وحياة كريمة في بلدانهم، هل تعتقدون أنهم سيتخلون عن فكرة الهجرة؟
  • هل تعرفون شخصا هاجر بطريقة غير نظامية؟ وما الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار؟
  • وإذا كنتم في المغرب، كيف تابعتم تلك الحادثة الأخيرة؟

نناقش معكم هذه المحاور وغيرها في حلقة الإثنين 3 أغسطس/آب.

خطوط الاتصال تُفتح قبل نصف ساعة من موعد البرنامج على الرقم 00442038752989.

إن كنتم تريدون المشاركة بالصوت والصورة عبر تقنية زووم، أو برسالة نصية، يرجى التواصل عبر رقم البرنامج على وتساب: 00447590001533

يمكنكم أيضا إرسال أرقام الهواتف إلى صفحتنا على الفيسبوك من خلال رسالة خاصة Message

كما يمكنكم المشاركة بالرأي في الحوارات المنشورة على نفس الصفحة، وعنوانها: https://www.facebook.com/NuqtatHewarBBC

أو عبر منصة إكس على الوسم @Nuqtat_Hewar

يمكنكم مشاهدة حلقات البرنامج من خلال هذا الرابط على موقع يوتيوب هنا.