الاحتراق النفسي في العصور الوسطى... كيف فهمه الناس آنذاك؟

صدر الصورة، Alamy
- Author, دايفيد روبسون
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
ليس التوتر والإرهاق النفسي وليدي العصر الحديث، فقد كانا شائعين في العصور الوسطى أيضاً. والمثير للدهشة أن كثيراً من أفكار ذلك العصر بشأن التعامل مع الاحتراق النفسي لا يزال يبدو صائباً حتى اليوم.
لاحظ يوحنا كاسيان أن الأعراض كانت تتكرر دائماً: التعب واليأس، والرغبة في الوجود في أي مكان بعيداً عن العمل، وتشوش الذهن، أو ما وصفه بأنه "نوع من الارتباك غير المنطقي في العقل"، يترك زملاءه عاجزين عن العمل، شاعرين بأن لا فائدة منهم، ومتلهفين إلى "عزاء النوم".
إذا سبق أن عانيت من الاحتراق النفسي أو الإرهاق أو الاكتئاب، فقد تبدو لك بعض هذه المشاعر مألوفة، وربما تظن أن هذه المعاناة وليدة ضغوط القرن الحادي والعشرين.
لكن كاسيان كتب ذلك في القرن الخامس الميلادي، ولم يكن يخاطب مديرين تنفيذيين معاصرين، بل مسيحيين من العصور الأولى أنهكتهم مجاهداتهم الروحية.
فهل يمكن لهذه الروايات أن تساعدنا على فهم معاناتنا المعاصرة، بل أن تقدم سبيلاً للتعامل معها؟

صدر الصورة، Alamy
هذه هي الفكرة التي يطرحها المؤرخ بيتر جونز في كتابه الجديد "المساعدة الذاتية من العصور الوسطى: رحلة داخل عقل القرون الوسطى"، الذي يقدم لمحة آسرة عن الطرق التي كان يستخدمها من يسميهم جونز "الكهنة المعالجين" لمساعدة أبناء رعيتهم على تجاوز محنتهم الروحية.
ويبين بحثه أن مشاعر الإنهاك رافقت البشر على امتداد التاريخ، وهو ما قد يحمل في حد ذاته بعض العزاء لمن يمر بكرب نفسي عميق.
ويقول جونز: "تزخر العصور الوسطى بقدر هائل من الحكمة". وقد شهدنا بالفعل رواج كتب تستلهم فلسفات الحياة لدى الرواقيين القدماء، وربما حان الوقت للعودة أيضاً إلى بعض مخطوطات العصور الوسطى واستخلاص ما تحمله من دروس.

صدر الصورة، Alamy
تائه في سيبيريا
استوحى جونز فكرة الكتاب من أزمة شخصية مرّ بها، وصفها بـ "أبرد شتاء في حياتي". ولأسباب لا يزال يجد صعوبة في تفسيرها، وافق على تولّي رئاسة قسم التاريخ في جامعة تيومين بسيبيريا.
وكان البرد قارساً إلى حد أنه فقد الإحساس بساقيه بعد عشرين دقيقة فقط في الخارج. كما واجه صعوبة في اللغة، واشتاق بشدة إلى أسرته في دبلن.
وكتب: "كان يُفترض بي أن أواصل أبحاثي وأعدّ دروسي وأمضي في حياتي، لكنني لم أستطع أن أحمل نفسي على فعل أي شيء".
وحين بدأ إعداد مقرر جديد عن الخطايا السبع المميتة، وجد في النصوص التي كان يقرأها من العصور الوسطى صدى لمعاناته الشخصية.
ويقول: "تدرك أنهم مرّوا بالأشياء نفسها التي نمر بها تماماً. فالمشاعر لم تتغير، والناس واجهوا الأزمات نفسها".
واليوم، قد نربط كلمة "الكسل" بالتقاعس المتعمد أو الخمول، لكن كتّاب العصور الوسطى أدركوا الفراغ العاطفي الكامن في هذه الحالة.

صدر الصورة، Alamy
يوضح جونز أن "الخطايا المميتة" لا ترد في الكتاب المقدس، بل صاغها مفكرون مسيحيون أوائل، من بينهم كاسيان. ثم نقحها البابا غريغوريوس الأول، الذي رأى، بحسب ما يكتب جونز، أنها "أداة مثالية لفهم اضطرابات النفس".
وضم هذا التصور، الذي أتاح "تنظيم الأفكار كلها والتعامل معها"، سبع خطايا هي: الكبرياء والحسد والغضب والكسل والطمع والشراهة والشهوة.
وبحلول القرن الثالث عشر، انتشرت كتيبات ترشد الكهنة المعالجين إلى أفضل السبل لمساعدة أبناء رعيتهم على تجاوز هذه المشكلات أثناء الاعتراف.
ويقول جونز: "عندما تطلع على هذه المواد، تجد أنها تشبه العلاج النفسي إلى حد كبير". فبدلاً من توبيخ المصلين، "كانت تشجع على حوار متعمق ودقيق، يكشف ما يدور في داخل النفس".
الأَسيديا: غياب الحب وفراغ الروح
كان الكسل أقرب الخطايا إلى وصف ما شعر به جونز في سيبيريا. واليوم، قد نربط الكلمة بالتقاعس المتعمد أو الخمول، لكن كتّاب العصور الوسطى أدركوا الفراغ العاطفي الكامن في صميم هذه الحالة.
وكانت تُعرف آنذاك باسم "الأَسيديا"، وتشمل، بحسب ما يكتب جونز، "غياب الحب، والعجز عن الاكتراث، وفراغاً في الروح".
ويضيف: "إنها الحالة التي تفقد فيها الأشياء التي كانت تضيء يومك قدرتها على تحريك أي شعور فيك، فتتركك بارداً ولا مبالياً".

صدر الصورة، Alamy
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
يقول جونز إنه وجد في نص يعود إلى القرن الثالث عشر ما يلامس تجربته بعمق. ويعرف النص باسم "المخطوطة 306"، وهو محفوظ في كلية ترينيتي بدبلن.
ويصف مؤلفه حالة "الأَسيديا" بأنها أشبه بـ"الوقوف في وسط نهر جارف، في مواجهة تيار يزبد ويضرب ساقَيّ، من دون أن أملك الطاقة اللازمة للتقدم". وهي صورة للجمود والعجز بدت مألوفة جداً لجونز خلال شتائه في سيبيريا.
أما كتابات "الأرشيبويت"، وهو شاعر مجهول من ألمانيا في القرن الثاني عشر، فتكشف عن إحباط شديد من عمله موظفاً في جهاز بيروقراطي، في شكاوى قد يجد فيها أي مسؤول تنفيذي معاصر ما يشبه تجربته.
ويقول جونز: "كانت قصائده تتناول العمل بلا توقف في وظيفة عبثية يراها تافهة وعديمة الجدوى، يمنحها كل ما لديه فيما يستنزف نفسه بلا هوادة".
وشبّه برنارد من كليرفو السعي إلى عيش حياة فاضلة بالجري في أرض وعرة؛ فكل من يركض مسافة طويلة لا بد أن يتعثر أو يسقط في مرحلة ما، بحسب جونز.
ولا يُعد جونز المؤرخ الوحيد الذي وجد أوجه شبه بين معاناة العصور الوسطى وأمراض العصر الحديث. ففي كتابها "الإنهاك"، تربط المؤرخة الثقافية والمدربة التنفيذية آنا كاتارينا شافنر مباشرة بين "الأَسيديا" التي وصفها مسيحيو العصور الوسطى والاحتراق النفسي في عصرنا، ومن أعراضه الميل إلى الأكل طلباً للراحة والانشغال بوسائل إلهاء فارغة بدلاً من أداء عمل ذي معنى.
وتكتب: "إنها حلقة مفرغة مألوفة؛ فالمصابون بالأَسيديا يصبحون أقل قدرة على التأمل والانشغال بالأمور الروحية، بينما تزيد الوسائل السيئة التي يلجأون إليها لاستعادة طاقتهم حالتهم سوءاً".
وتضيف: "وبهذا المعنى، فهم يشبهوننا تماماً؛ نحن المنهكين في القرن الحادي والعشرين، الذين نلجأ إلى ممارسات جانبية غير مجدية بالقدر نفسه هرباً من العمل الحقيقي".

صدر الصورة، British Library/ Wikimedia Commons
ويتخذ كتاب وليام بيرالدوس "رسالة في الفضائل والرذائل" منحى مشابهاً. وينقل جونز عنه قوله إن "الحقل الذي تغطيه الأشواك سيُثمر يوماً ما".
ولمساعدة الإنسان على إعادة توجيه تفكيره، يقترح بيرالدوس البحث عن "جبل راسخ"، أي غاية أسمى أو معنى أكبر يعينه على اجتياز الأوقات الصعبة.
ويوضح جونز: "تحتاج إلى ما يمنحك الدعم والقوة، سواء كان شخصاً تحبه أو أمراً عزيزاً عليك، كي تتمكن من تجاوز المحنة. وإذا حافظت على إيمانك بما تحب، فسيعود إليك في نهاية المطاف".
ويخشى جونز أن تبدو هذه الأفكار، حين تُروى في حديث عابر بعيداً عن هيبة المصادر الأصلية، "سطحية أو مبتذلة". لكن خلاصاته تشبه على نحو لافت بعض الأساليب الحديثة المستخدمة في علاج الاحتراق النفسي وغيره من المشكلات العاطفية.
فعلاج القبول والالتزام، على سبيل المثال، يشجع على الاعتراف بالمشاعر من دون محاولة تغييرها. وإلى جانب تعلم تقبلها والتعايش معها، يُنصح الشخص بتحديد قيمه الخاصة واتخاذ خطوات عملية تمنحه حياة أكثر انسجاماً معها.
وبإضافة بعض استعارات العصور الوسطى، مثل الحقول المليئة بالأشواك والجبال الراسخة، تبدو هذه المقاربة قريبة جداً من النصيحة التي قدمها بيرالدوس قبل ثمانمئة عام.
ولعل الأهم أن مفكري العصور الوسطى هؤلاء يذكروننا بأهمية مسامحة الذات، وهي فكرة تتكرر أيضاً في العلاج النفسي الحديث.
ويشير جونز إلى كتابات برنارد من كليرفو في القرن الثاني عشر، وهو أحد مؤسسي فرسان الهيكل. ويقول: "شبّه السعي إلى عيش حياة فاضلة بالجري في أرض وعرة، موضحاً أن من يركض مسافة طويلة لا بد أن يتعثر أو يسقط في مرحلة ما". ويضيف: "سنمر جميعاً بلحظات نفقد فيها وجهتنا تماماً".
ويرى جونز أن مجرد إدراك الإنسان أنه ليس وحيداً في معاناته قد يمنحه عزاءً كبيراً؛ فمهما كانت المحنة التي يمر بها، سبق أن عاش آخرون المشاعر نفسها على مدى آلاف السنين.
ويقول: "من المريح أن نشعر بأن لنا رفقة بين أناس عاشوا في أزمنة سابقة".
---------------------------------------------------------------
- ديفيد روبسون كاتب علمي حائز على جوائز ومؤلف عدد من الكتب. وصدر أحدث كتبه، "قوانين التواصل: 13 استراتيجية اجتماعية ستغيّر حياتك"، عن دار كانونيغيت في المملكة المتحدة ودار بيغاسوس بوكس في الولايات المتحدة وكندا في يونيو/حزيران 2024. ويمكن متابعته عبر حساب @davidarobson على إنستغرام وثريدز، كما يكتب نشرة "علم النفس في 60 ثانية" على منصة سابستاك.




























