من "جزيرة الشيطان" إلى ملاذ للفقمات النادرة، كيف غيّرت الطبيعة وجه جزيرة يونانية؟

Published
مدة القراءة: 9 دقائق

على مدى نصف قرن، ظلت جزيرة ياروس (Gyaros) مغلقة أمام العالم، بعدما استُخدمت سجناً عسكرياً وميداناً للرماية البحرية. ثم ظهرت صورة مذهلة غيّرت كل شيء.

تكون الشمس قد ارتفعت عالياً فوق القارب السريع عندما تلوح ياروس في الأفق، ككتلة مقفرة وسط بحر إيجه.

ومع اقترابنا، يظهر مبنى ضخم من الطوب الأحمر، هو السجن الذي أكسب الجزيرة لقب "جزيرة الشيطان".

ولا تستغرق الرحلة إلى هنا سوى نصف ساعة من جزيرة سيروس، المركز الإداري لجزر كيكلادس، الواقعة إلى الجنوب الشرقي من البر اليوناني الرئيسي. ومن هناك، يمكن الإبحار في أي اتجاه للوصول إلى جزر يونانية نموذجية مثل ميكونوس أو أندروس، حيث تنتشر المنازل البيضاء على سفوح التلال كأنها مكعبات سكر انسكبت من وعاء، وتصل العبارات في مواعيدها، وتفتح الحانات أبوابها.

أما ياروس، فكأنها لم تعرف شيئاً من ذلك. فلا يرى الزائر فيها سوى الحصى الصخري والشجيرات البرية، وتبدو خالية، بل بلا حياة تقريباً. لكنها ليست كذلك.

وتعود القصة إلى واحدة من أكثر الفترات قتامة وعنفاً في تاريخ اليونان. فقد أدى نظام استبدادي، أعقبه استخدام الجزيرة في التدريبات العسكرية، إلى بقائها بعيدة عن مشاريع التنمية، فتحولت إلى أثر منسي من ماض مضطرب.

ثم، في عام 2004، أعادت صورة غير متوقعة الأنظار إلى هذا المكان الذي بدا مقفراً، لكن لأسباب مختلفة تماماً.

"جزيرة الشيطان"

لطالما ارتبطت جزيرة ياروس بالعزلة والعنف والعقاب، إذ استخدمت منفًى للسجناء السياسيين منذ العهد الروماني. غير أن أكثر فصول تاريخها وحشية بدأ عام 1948، حين صادرت الدولة اليونانية ممتلكات آخر 31 من سكانها وحولت الجزيرة إلى سجن.

وفي وقت كانت الجزر المجاورة تشيّد الفنادق الصغيرة الفاخرة، أغلقت ياروس تماماً أمام العالم الخارجي. وخلال موجتين من القمع السياسي، أرسل إليها أكثر من 20 ألف يوناني، كان معظمهم من الشيوعيين والكتّاب والطلاب والفنانين الذين احتجوا على السلطة الحاكمة.

خلال الموجة الأولى من الاعتقالات في أواخر أربعينيات القرن الماضي، بعد انتهاء الحرب الأهلية اليونانية، أجبر السجناء على العيش في خيام وسط صيف قائظ وشتاء شديد البرودة، كما سُخّروا لبناء جدران السجن بالطوب بأيديهم.

وبعد فترة من التوقف، شهدت الجزيرة موجة ثانية من الاعتقالات خلال الديكتاتورية العسكرية المعروفة بحكم "العقداء"، بين عامي 1967 و1974.

ورسمياً، كانت ياروس تُقدَّم بوصفها مؤسسة إصلاحية يعاد فيها تأهيل المعارضين ليصبحوا "يونانيين حقيقيين". لكنها كانت في الواقع مكاناً للعمل القسري والتعذيب، بعيداً عن أعين المنتقدين.

وبعد سقوط المجلس العسكري عام 1974، استخدمت البحرية اليونانية الجزيرة ميداناً للقصف حتى عام 2002. وحتى اليوم، لا توجد فيها فنادق أو خطوط عبّارات أو سكان دائمون.

وهكذا، حصلت ياروس، بمحض المصادفة تقريباً، على أقوى أشكال الحماية الممكنة: غياب البشر.

ملاذ للفقمات

بعدما أوقفت البحرية اليونانية أنشطتها في الجزيرة، بدأ الصيادون يتحدثون عن مشاهدة فقمات الراهب المتوسطية في المياه المحيطة بياروس.

ثم ظهرت الصورة التي غيّرت كل شيء. فقد التقطها صياد هاوٍ يستخدم بندقية صيد بالرمح في مطلع الألفية، وأظهرت أنثى من فقمات الراهب وصغيرها مستلقيين على شاطئ مكشوف في وضح النهار، في مشهد كان قد اختفى تقريباً من البحر المتوسط.

ويقول عالم الأحياء بانوس ديندرينوس، من الجمعية اليونانية لدراسة وحماية فقمة الراهب، وهي مجموعة بحثية مقرها أثينا: "لم أر شخصياً مشهداً كهذا من قبل في اليونان. بدت الصورة كأنها آتية من زمن قديم".

وبعدما كانت فقمة الراهب المتوسطية واسعة الانتشار، تراجعت أعدادها عالمياً بحلول أواخر القرن العشرين إلى ما بين 350 و450 فرداً فقط.

فقد تعرضت على مدى قرون للصيد من أجل فرائها ولحومها وشحومها، كما أدى التوسع العمراني على السواحل إلى تدمير موائلها الطبيعية، فيما قتلها بعض الصيادين انتقاماً منها بعد دخولها إلى شباكهم والتغذي على الأسماك العالقة فيها.

ومع تصنيفها آنذاك ضمن الأنواع المهددة بخطر الانقراض الشديد، أصبحت الفقمات الناجية أشبه بالأشباح، فلجأت إلى كهوف بحرية نائية لتربية صغارها بعيداً عن البشر.

ودفعت صورة الصياد العلماء إلى تنظيم أولى البعثات البحثية إلى ياروس، حيث اكتشفوا مستعمرة كبيرة تضم نحو 70 فقمة بالغة، وربما كانت الأكبر في البحر المتوسط آنذاك.

لكن ما أذهل الخبراء حقاً لم يكن حجم المستعمرة، وإنما سلوك الفقمات، إذ شوهدت وهي ترضع صغارها على شواطئ مكشوفة.

ويقول سبيروس كوتوماتاس، عالم الأحياء وكبير مسؤولي الحفاظ على البيئة البحرية في الصندوق العالمي للطبيعة في اليونان، والذي كان يعمل آنذاك في الجمعية اليونانية لدراسة وحماية فقمة الراهب: "كان ذلك سلوكها الطبيعي. أما الفقمات في أماكن أخرى فكانت تتصرف مثل سكان أثينا: متوترة وفي حالة تأهب دائم. وفي ياروس، كانت هادئة ومسترخية".

من غير المعروف على وجه الدقة منذ متى استقرت الفقمات في الجزيرة، لكن كوتوماتاس يعتقد أن عزلتها الطويلة وفرت لها ظروفاً مواتية. فعلى الرغم من مرور آلاف السجناء عبر ياروس، ظل الوجود البشري محصوراً في نطاق محدود، إذ لم تشغل المعسكرات سوى جزء صغير من الساحل.

ويضيف أن الاضطرابات ظلت متقطعة حتى خلال فترة استخدام الجزيرة ميداناً للقصف، وتركزت أساساً في جنوب شرق ياروس، بعيداً عن المناطق التي اتخذتها الفقمات ملاذاً لها.

ويقول: "الفقمات قادرة على التكيف. دخلتُ ذات مرة أحد الكهوف بينما كان قارب سريع يمر بمحاذاته مباشرة. كان الضجيج شديداً إلى حد أنني لم أعد أسمع شيئاً، لكن الفقمة ظلت نائمة".

وكان الأهم أن وجود البحرية جعل الصيد في المنطقة غير مستحب، ما وفر للفقمات منطقة غنية بالغذاء.

وأدى اكتشاف المستعمرة إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات لحماية الجزيرة، وفي عام 2019 أعلنت ياروس منطقة بحرية محمية، لتصبح الأولى من نوعها في المنطقة.

ملاذ تحت الماء

من على متن القارب السريع، يمسح أنطونيوس بوريكاس وفينتوريس بونتوريس سطح البحر بأعينهما. وهما موظفان في الوكالة اليونانية للبيئة الطبيعية وتغير المناخ، التي تولت عام 2023 مسؤولية مراقبة ياروس من الصندوق العالمي للطبيعة. وتتمثل مهمتهما في التأكد من عدم ممارسة الصيد داخل المنطقة المحمية التي تمتد ثلاثة أميال بحرية حول الجزيرة.

تبدو المياه هادئة اليوم، ولا يرسو في الخليج أسفل السجن سوى يختين ترفيهيين. ويبلغ الضابطان قائديهما، بلطف، بأن الصيد محظور في المنطقة.

ويقول بوريكاس: "أكثر من الدوريات نفسها، فإن مجرد معرفة الناس بأننا نراقب المنطقة هو ما يردعهم".

وكانت الحياة البحرية حول ياروس تتمتع بمزايا مهمة حتى قبل بدء جهود الحماية الرسمية. فقد حظرت البحرية اليونانية الصيد هناك لأسباب تتعلق بالسلامة، ولم تُفتح المنطقة قط بصورة منهجية أمام الصيد واسع النطاق باستخدام وسائل ميكانيكية.

ومع ذلك، فإن موقع الجزيرة النائي وتعرضها المتكرر للرياح العاتية يجعلان حمايتها من الصيد غير القانوني أمراً صعباً. وعندما توقفت عمليات القصف في مطلع الألفية، بدأت أعداد متزايدة من القوارب تتوافد إلى المنطقة لاستغلال مياه لم تشهد سوى قدر ضئيل من الصيد طوال نحو نصف قرن.

ولأن تسيير دوريات بحرية دائمة كان باهظ التكلفة، أنشأ الصندوق العالمي للطبيعة في اليونان عام 2017 نظاماً للمراقبة عن بعد ينقل صوراً مباشرة إلى جزيرة سيروس. وعندما تدخل سفينة إلى المنطقة المحمية، تستطيع السلطات توجيه استجابة سريعة ومحددة إلى موقعها.

ويقول ديميتريوس دامالاس، خبير مصايد الأسماك في المركز اليوناني للأبحاث البحرية: "إنه أشبه بالأخ الأكبر إلى حد ما".

وبين عامي 2015 و2023، انخفضت حوادث الصيد غير القانوني التي تورط فيها صيادون هواة بنسبة 57 في المئة، بينما تراجعت الحوادث المرتبطة بالصيد المهني بنسبة 85 في المئة.

كما سجلت الدراسات التي قادها دامالاس أكثر من 130 نوعاً داخل المياه المحمية، مقارنة بـ108 أنواع خارجها. وتبين أيضاً أن الأسماك داخل المنطقة أكثر عدداً وأكبر حجماً.

أما ماريا سالوميدي، عالمة الأحياء البحرية في المركز اليوناني للأبحاث البحرية، التي تدرس مروج الأعشاب البحرية والشعاب حول ياروس منذ عام 2009، فتقول إنها شاهدت أعداداً هائلة من الكركند الحذائي، إلى جانب الشفانين الشيطانية العملاقة والسلاحف البحرية والدلافين والحيتان وفقمات الراهب المتوسطية.

وتضيف: "حين نغوص في أماكن أخرى، غالباً ما نخرج من الماء محبطين، لأننا نرى التدهور الذي أصاب البحر. أما في ياروس، فالأمر مختلف... إنها واحدة من آخر الجنات على الأرض، حيث يمكنك أن تسمع الصمت وترى سماء الليل".

ملاذ لطائر الشيرووتر

في أعالي المنحدرات الصخرية، وداخل الجحور التي تشق الصخور، تؤوي جزيرة ياروس نوعاً آخر مهدداً بالانقراض.

ففي عام 2015، سمع باحثون من الصندوق العالمي للطبيعة مجموعة من طيور جلم الماء الييلكوانية تقترب من الجزيرة ليلاً. وهي طيور بحرية سوداء وبيضاء، يقارب حجمها حجم الحمام الصخري. ولم يكن وجودها في ياروس معروفاً من قبل، إذ كان يُعتقد أنها تقتصر على الجزر الصغيرة والمعزولة.

وتعيش هذه الطيور طويلاً، وترتبط بشريك واحد، إذ تعود إلى الشريك نفسه وموقع التعشيش ذاته عاماً بعد عام. أما على اليابسة، فينحصر عالمها في جحر واحد وبيضة واحدة.

وتقول داناي بورتولو، من الجمعية اليونانية لعلم الطيور في أثينا، التي تقود جهود مراقبة هذا النوع في بحر إيجه: "قد يبقى أحد الطائرين فوق البيضة أسبوعاً كاملاً من دون أن يتحرك تقريباً، بينما يذهب الآخر للبحث عن الغذاء، ثم يتبادلان الأدوار".

وتعد مستعمرة ياروس ثاني أكبر مستعمرة لهذا النوع في العالم، إذ تضم نحو 15 في المئة من إجمالي أعداده عالمياً. وقد ساعدت الشقوق والتجاويف الصخرية التي يصعب الوصول إليها، والتي بقيت بمنأى عن التدخل البشري، على ازدهارها.

لكن الأخطار لا تزال قائمة حتى هنا.

فالجرذان التي أُدخلت إلى الجزيرة تلتهم البيض والفراخ، ويُفقد بهذه الطريقة ما يصل إلى ثلث البيوض. والأخطر أن خنازير متوحشة أُدخلت إلى الجزيرة بصورة غير قانونية، فأصبحت تنبش الجحور وتفترس الطيور البالغة.

وتحذر بورتولو قائلة: "عندما يستهدف مفترس الطيور البالغة من نوع بحري طويل العمر وقليل التكاثر، تكون الأضرار مدمرة".

وقد بدأت بالفعل عمليات التخلص من الخنازير، وهي التهديد الأكثر إلحاحاً، لكن بورتولو تؤكد أن القضاء عليها سريعاً أمر بالغ الأهمية.

توازن دقيق

لكن الوضع في ياروس ليس مثالياً بالكامل.

فعلى الرغم من أن مروج الأعشاب البحرية المحيطة بالجزيرة لا تزال في حالة جيدة إلى حد كبير، فإن الشعاب الصخرية ليست كذلك. فقد أدى الصيد الجائر في مناطق أخرى إلى تراجع أعداد المفترسات البحرية الكبيرة، مثل الهامور والدنيس البحري، ما أتاح للأسماك الأصغر الإفراط في التغذي على غابات الطحالب التي تشكل أساس النظام البيئي بأكمله.

ويعمل فريق ماريا سالوميدي حالياً على ترميم الشعاب من خلال زراعة طحالب جرى استنباتها في المختبر. وبدأت الأسماك الكبيرة، مثل الهامور وأسماك القرش، في العودة إلى المنطقة، لكن كثيراً منها لا يزال غير بالغ.

ويقول ديميتريوس دامالاس: "قد نحتاج إلى عقود حتى نصل إلى حالة تقترب من الطبيعة البكر".

كما أن الحماية السياسية للجزيرة لا تزال هشة. فحتى بعد إعلان ياروس منطقة بحرية محمية، ظل الصيد المحلي محدود النطاق مسموحاً به موسمياً وفق شروط صارمة. لكن الحكومة فتحت المنطقة أمام الصيد عام 2022، تحت ضغط منظمات الصيادين، ما أدى إلى حالة من الاستغلال غير المنضبط سرعان ما أثرت في الأسماك والفقمات.

وسرعان ما تراجعت الحكومة عن قرارها، وأعلنت الجزيرة منطقة يُحظر فيها الصيد تماماً. ومع ذلك، لا يزال العلماء يشعرون بالقلق من أن الوكالة اليونانية للبيئة الطبيعية وتغير المناخ لا تملك الإمكانات الكافية لحماية الجزيرة. ويقول دامالاس إن الصيادين أفادوا بأن قوارب من جزر أخرى تصل إلى المنطقة ليلاً وفي عطلات نهاية الأسبوع، فيما يشعر آخرون بأن التزامهم بالقواعد طوال هذه الفترة كان بلا جدوى.

وفي أبريل/نيسان 2026، منح مرسوم رئاسي الجزيرة أعلى مستوى من الحماية، ووضع إطاراً قانونياً دائماً لها. غير أن الخبراء يؤكدون أن حماية ياروس وحدها لا تكفي.

فعلى الرغم من أن اليونان وضعت نحو 18 في المئة من مساحتها البحرية تحت الحماية، فإن جزءاً صغيراً فقط من هذه المناطق يخضع لإدارة فعلية.

ويقول سبيروس كوتوماتاس: "حتى لو نجحت في حماية ياروس على نحو مثالي، فستظل الحيوانات معرضة للخطر إذا بقي البحر المحيط بها من دون حماية. فالبحر المتوسط من أكثر بحار العالم استخداماً، والضغوط الناجمة عن حركة الملاحة ومشاريع الطاقة البحرية والصيد الترفيهي وموجات الحر البحرية آخذة في الازدياد".

ويرى كوتوماتاس أن ثمة حاجة إلى خطة متكاملة تحدد كيفية استخدام مختلف أجزاء البحر، بحيث لا تتعارض أنشطة الصيد والملاحة والسياحة وجهود الحفاظ على البيئة بعضها مع بعض.

وترى داناي بورتولو أن النهج التشاركي الذي اتُبع في تصميم المنطقة المحمية في ياروس يمكن أن يشكل نموذجاً تحتذي به مناطق أخرى.

وتقول: "جمع هذا النهج عدداً كبيراً من الأطراف المعنية للحوار ومناقشة ما تمثله ياروس بالنسبة إليهم، وما ينبغي فعله لحمايتها. وقد استغرقت العملية وقتاً، لكنها كانت جديرة بالجهد".

وفي تطور إيجابي، بدأت أعداد فقمة الراهب المتوسطية تتعافى خارج ياروس أيضاً، بفضل حماية موائلها الأساسية وتغير مواقف الصيادين منها. ويقول كوتوماتاس إن الصيادين لم يعودوا يفجرون الفقمات داخل الكهوف، كما كان يحدث في الماضي.

ومع ابتعاد القارب السريع عن الجزيرة، يتلاشى السجن المهجور تدريجياً في الأفق. وفي مكان ما قرب الكهوف أسفل المنحدرات، ترضع فقمات الراهب صغارها على الشواطئ المفتوحة.

وتقول ماريا سالوميدي: "ياروس جزيرة للأمل. لكننا نحتاج إلى ألف ياروس أخرى في أنحاء اليونان، وعندها ربما نكون قد بدأنا نسير في الاتجاه الصحيح".