كيف غيّر التوغل الإسرائيلي حياة سكان جنوبي سوريا؟

رجل يظهر صورة بطاقة أممية منتهية الصلاحية.
التعليق على الصورة، يحمل صدام بطاقة أممية منتهية الصلاحية تتيح له الوصول إلى أرضه الزراعية الواقعة في المنطقة العازلة بموجب اتفاق فض الاشتباك الذي أبرمته سوريا وإسرائيل عام 1974.
    • Author, لين السعدي
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
    • Reporting from, جنوبي سوريا
  • Published
  • مدة القراءة: 8 دقائق

في صباح الخامس والعشرين من أبريل/نيسان 2024، كانت عائلة حسن أحمد تعيش يوماً عادياً في قريتها جباتا الخشب الحدودية مع إسرائيل.

أفراد الأسرة يحتسون قهوتهم، فيما يستعد حسن للتوجه إلى عمله، قبل أن يتلقى اتصالاً يخبره بأن جنوداً إسرائيليين دخلوا أرضه الزراعية واعتقلوا ابنه صدام، الذي كان في السابعة عشرة من العمر آنذاك.

يقول حسن إن الجنود قيدوا ابنه وعصبوا عينيه، قبل أن يبلغوه بأن وجوده في المكان يمثل، بحسب قولهم، اعتداءً على أراضي دولة إسرائيل.

وتقع القرية داخل منطقة فصل عازلة بين سوريا وإسرائيل، وهي جزء من الأراضي السورية وتضم قرى مأهولة بالسوريين، فيما يحظر اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 وجود قوات عسكرية من أي من الجانبين فيها.

وعلم حسن لاحقاً أن ابنه احتُجز في سجن عوفر، في قسم مخصص للقاصرين، ثم نُقل إلى قسم الرجال بعد بلوغه السن القانونية، قبل أن تنقطع أخباره بشكل نهائي.

وبحسب والده، لم يُحاكم صدام ولم تُوجَّه إليه تهمة حتى الآن.

ولا تبدو حالة صدام فردية، فبحسب بيانات حكومية حصلت عليها بي بي سي، لا يزال 43 سورياً محتجزين في إسرائيل، غالبيتهم اعتقلوا في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد.

ويقول سكان المناطق الحدودية إن وتيرة التوغلات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال تصاعدت منذ سقوط نظام الأسد، بالتزامن مع توسع الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا.

صورة للأراضي الرعوية التي وضعتها إسرائيل ضمن نطاق عسكري يمنع الاقتراب منه، إلى جانب مساحات أخرى من الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة.
التعليق على الصورة، يقول السكان في قرى حوض اليرموك، إن القوات الإسرائيلية وضعت آلاف الدونمات من الأراضي الرعوية ضمن نطاق عسكري يمنع الاقتراب منه، إلى جانب مساحات أخرى من الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة.

وبعد نحو عام من اعتقال صدام، اعتقلت القوات الإسرائيلية ابن عمه، حسن إبراهيم أحمد، من منزل عائلته خلال عملية توغل ومداهمة في القرية ذاتها.

وعند سؤال الجيش الإسرائيلي عن حالتي صدام وحسن، قال إن المعلومات المتاحة بشأن صدام لا تكفي للتعرف عليه أو دراسة قضيته، بينما أفاد بأن حسن اعتُقل للاشتباه في ضلوعه في أنشطة وصفها بالإرهابية وانتمائه إلى تنظيم ما يسمى "الدولة الإسلامية"، مضيفاً أنه محتجز حالياً لدى مصلحة السجون الإسرائيلية.

لكن بالنسبة لسكان القرى الحدودية، لا تختصر التوغلات في حالات الاعتقال فقط.

فمع اتساع الانتشار الإسرائيلي في أجزاء من درعا والقنيطرة، يقول سكان المنطقة إنهم باتوا يواجهون قيوداً متزايدة على الحركة والوصول إلى أراضيهم الزراعية، فيما أصبحت عمليات المداهمة والتفتيش والحواجز جزءاً متكرراً من حياتهم اليومية.

ثلاث نساء مسنّات وطفلتان يجلسن في فناء الدار، يشتكين من تردي الأوضاع المعيشية.
التعليق على الصورة، تشتكي مزارعات من قرية معرية في ريف درعا من تردي الأوضاع المعيشية وتزايد المخاوف وسط التوغلات الإسرائيلية المستمرة
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

في قرية معرية بريف درعا، حيث كثفت القوات الإسرائيلية عمليات التوغل خلال الأشهر الماضية، يصف محمد دمارة لبي بي سي كيف تغير نمط الحياة اليومي.

ويروي كيف حاول السكان إغلاق طرق أمام القوات الإسرائيلية بالحجارة، قبل أن تستخدم الجرافات والرصاص لفتحها، مع تهديد السكان بالعقاب في حال اعتراض تحركات الجنود.

ويقول دمارة إن سكاناً تعرضوا، بحسب إفادته، للإهانة والضرب خلال عمليات الاحتجاز، وإن القوات الإسرائيلية منعت الأهالي من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم، فيما فقد بعض السكان ماشيتهم.

ويضيف أن دخول القوات الإسرائيلية إلى المناطق السكنية خلق شعوراً بالخوف، خصوصاً لدى الأطفال: "أولادنا باتوا يخافون النوم كي لا يستيقظوا ويجدوا بندقية إسرائيلية مصوبة إلى رؤوسهم".

ويقول دمارة إن استخدام الطائرات المسيّرة والقنابل التي تطلقها زاد من مخاوف السكان.

أما سحر الغيث، من سكان معرية في ريف درعا، فترى أن المداهمات المتكررة ليلاً ونهاراً جعلت الحياة غير مستقرة، وأن القيود على الحركة دفعتها إلى ترك محاصيل زراعية في أرضها حتى تلفت، وخسارة كل ما كانت تطمح لجنيه.

وتقول إن موسم الزراعة الحالي لم يكن ممكناً بالنسبة إليها، بعد أن أطلقت القوات الإسرائيلية النار مباشرة باتجاه المزارعين داخل الأراضي التي كانوا يزرعونها ويحصدون فيها.

صورة لأحد منازل قرية معرية في ريف درعا بعد تعرضه لعملية تفتيش من قبل القوات الإسرائيلية.
التعليق على الصورة، من داخل أحد منازل قرية معرية في ريف درعا بعد تعرضه لعملية تفتيش من قبل القوات الإسرائيلية.

وتضيف أن بعض الأهالي اضطروا إلى بيع مواشيهم بعدما فقدوا جزءاً منها، وأن تراجع الإنتاج الزراعي والرعوي انعكس على توفر منتجات مثل الحليب واللبن التي باتت نادرة وصعبة المنال.

وتذكر الغيث أن الخوف لم يعد مرتبطاً بموعد التوغل فقط، بل أصبح جزءاً من الحياة داخل المنازل، إذ يبقى بعض أفراد العائلات مستيقظين خلال الليل تحسباً لأي مداهمة جديدة: "مصيرنا معلق، كل ساعة نقول الآن سيطردوننا من منازلنا".

وتقول الغيث إن من يرفض عمليات التفتيش قد يتعرض منزله لإجراءات أكثر قسوة، مضيفة: "يدخل الجيش الإسرائيلي كلاباً تطرح فضلاتها على السجادات والفرش، واضطررنا أحياناً، كنساء مع أطفالنا، إلى الوقوف في البرد عنوة أثناء عمليات التفتيش."

وعن هذه الاتهامات، قال الجيش الإسرائيلي لبي بي سي إن قواته تعمل داخل المنطقة العازلة في جنوب سوريا بهدف حماية المواطنين الإسرائيليين. وأضاف أن عملياته تُنفذ وفقاً للقانون الدولي، وأنه يسعى، كلما أمكن، إلى تجنب إلحاق الضرر بالأراضي الزراعية والممتلكات الخاصة.

صورة لقاعدة عسكرية إسرائيلية.
التعليق على الصورة، إحدى القواعد الإسرائيلية التي أنشئت بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 داخل الأراضي السورية.

تسع قواعد… وجود عسكري يتوسع

ما يعيشه السكان على الأرض يتزامن مع تغير واضح في طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا.

منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وسعت إسرائيل انتشارها داخل الأراضي السورية، متجاوزة في بعض المواقع المنطقة العازلة التي تفصل بين الجانبين منذ اتفاق فض الاشتباك عام 1974.

وبموجب ذلك الاتفاق، أُنشئت منطقة عازلة، أو منطقة فصل بين هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل والأراضي السورية، تمتد على طول 75 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب وبعرض يتراوح بين 200 متر و10 كيلومترات. وتتولى سوريا فيها الإدارة المدنية، على أن يبقي الجيش السوري خارج حدودها.

وتتمركز داخل المنطقة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف"، التي تتولى مسؤولية مراقبة وقف إطلاق النار بين الطرفين.

وبحسب منظمة العفو الدولية، أنشأت إسرائيل تسع قواعد عسكرية في محافظتي القنيطرة ودرعا منذ سقوط نظام الأسد.

وتشير معلومات حصلت عليها بي بي سي إلى أن أربعاً من هذه القواعد تقع خارج المنطقة العازلة، فيما رافق بناؤها أعمال إنشائية توحي بأن الوجود العسكري الإسرائيلي يتجاوز الانتشار الميداني المؤقت.

كما تظهر صور الأقمار الصناعية أعمال بناء وتوسعة في عدد من هذه المواقع، التي تحولت إلى نقاط عسكرية داخل المنطقة العازلة وأراضٍ سورية مجاورة.

صورة من الأقمار الصناعية توضح عمليات البناء الإسرائيلية في أحد المواقع بقرية جباتا الخشب، التابعة لمحافظة القنيطرة جنوب سوريا.
التعليق على الصورة، صورة من الأقمار الصناعية في يونيو/حزيران الماضي توضح عمليات البناء الإسرائيلية في أحد المواقع بقرية جباتا الخشب، التابعة لمحافظة القنيطرة جنوب سوريا.
صورة لقاعدة إسرائيلية في منطقة سد منطرة في جنوب سوريا.
التعليق على الصورة، عمليات توسع أخرى للقوات الإسرائيلية في منطقة سد منطرة، أكبر السدود في جنوب سوريا – يونيو/حزيران 2026

مفاوضات متعثرة

وفي الوقت الذي يتوسع فيه الوجود العسكري على الأرض، تحاول السلطات السورية والإسرائيلية التوصل إلى اتفاق أمني جديد بوساطة أمريكية، إلا أن المحادثات تعثرت بسبب خلافات تتعلق بالترتيبات الأمنية وحدود الانسحاب الإسرائيلي.

وفي أغسطس/آب 2026، استؤنف التواصل المباشر بين الجانبين، عندما التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في الأردن، لبحث خفض التصعيد وإحياء المفاوضات.

ويقول الشيباني إن الجانبين توصلا في بداية العام، من حيث المبدأ وعلى الورق، إلى تفاهم بشأن معظم الترتيبات الأمنية، بما في ذلك مناطق أمنية في الجنوب ومنطقة عازلة لا تنتشر فيها سوى قوات الأمم المتحدة.

لكن دمشق تشكك في استعداد إسرائيل لتنفيذ ما يتم التوصل إليه.

من بيت جن إلى أبو الظهور.. عمليات مستمرة

ولا تقتصر العمليات العسكرية الإسرائيلية على المنطقة الحدودية، بل امتدت إلى مناطق أخرى داخل سوريا.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نفذت القوات الإسرائيلية عملية في بلدة بيت جن بريف دمشق، قُتل خلالها ما لا يقل عن 13 شخصاً، وفق السلطات السورية الانتقالية.

وقالت إسرائيل حينها إن العملية استهدفت عناصر من جماعة إسلامية كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضدها، في حين وصفتها السلطات السورية بأنها واحدة من أكثر العمليات الإسرائيلية دموية منذ سقوط الأسد.

وفي أغسطس/آب 2026، امتد نطاق الضربات الإسرائيلية ليصل إلى شمال سوريا، عندما استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية قرب إدلب، في وقت كانت فيه التوترات تتصاعد بشأن الوجود التركي داخل سوريا.

صورة للحدود السورية الإسرائيلية مع علم إسرائيل.
التعليق على الصورة، جددت الأمم المتحدة مهمة القوى الدولية لفض الاشتباك "أندوف" في الجولان لمدة ستة أشهر منذ يونيو /حزيران 2026، والتي تأسست عام 1974 بقرار من مجلس الأمن الدولي.

إسرائيل: الوجود إلى أجل غير مسمى

ومنذ الأيام الأولى لسقوط الأسد، لم تقدم إسرائيل انتشارها العسكري الجديد باعتباره إجراءً مؤقتاً.

ففي يناير/كانون الثاني 2025، أوضح وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس، خلال زيارة إلى جبل الشيخ، أن القوات الإسرائيلية ستبقى في المنطقة العازلة "لفترة غير محدودة"، مبرراً ذلك بالحاجة إلى منع وجود قوات معادية بالقرب من الحدود، مؤكداً رغبة إسرائيل في إبقاء جنوب سوريا منزوع السلاح.

وفي أحدث تطور، أدانت الحكومة السورية في التاسع من سبتمبر/أيلول دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الأراضي السورية وتفقده مواقع في جبل الشيخ، معتبرة ذلك انتهاكاً لسيادة البلاد ووحدة أراضيها، ودعت إلى وقف التوغلات والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وكان نتنياهو قد زار جبل الشيخ برفقة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونائب رئيس هيئة الأركان تمير يداي، وقال إن إسرائيل تسيطر بشكل مطلق على المنطقة الممتدة من جبل الشيخ إلى نهر اليرموك، مؤكداً أن بلاده لن تسمح، على حد وصفه، بترسيخ وجود "جيش إرهابي" على حدودها.

التعليق على الفيديو، ما هي استراتيجية إسرائيل العسكرية الجديدة في سوريا ولبنان؟

وتقول الحكومة السورية الانتقالية إن استمرار التوغلات والضربات الإسرائيلية يقوض سيادتها على أراضيها ويعيق إعادة بناء مؤسسات الدولة، فيما تطالب بانسحاب إسرائيل إلى مواقع ما قبل الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 والعودة إلى التطبيق الكامل لاتفاق فض الاشتباك.

وترفض دمشق، وفق موقفها المعلن، أي ترتيبات تحد من قدرتها على إعادة بناء قواتها المسلحة أو تحديد تحالفاتها.

في المقابل، يقول الجيش الإسرائيلي لبي بي سي إن عملياته في المنطقة العازلة تهدف إلى حماية المواطنين الإسرائيليين، وإن قواته تعتقل أشخاصاً تشتبه في تورطهم في أنشطة إرهابية ضد الإسرائيليين أو القوات الإسرائيلية.

ويضيف أن المعتقلين يُنقلون إلى منشآت داخل إسرائيل للاستجواب والفحص والاحتجاز، ضمن عمليات تخضع بحسب قوله، للقانون الإسرائيلي والقواعد العسكرية والقانون الدولي.

ويقول إنه أفرج عن المعتقلين الذين لم يثبت تورطهم في أنشطة إرهابية وأعادهم إلى سوريا، وإن المحتجزين يخضعون إما للقانون الجنائي أو لإجراءات الاحتجاز الوقائي بموجب ما يعرف بـ"قانون المقاتلين غير الشرعيين"، كما يخضعون للمراجعة القضائية وفق الإطار القانوني الذي يُحتجزون بموجبه، وأن القانون الإسرائيلي يتيح لهم التمثيل القانوني والاستئناف أمام المحكمة العليا.

المنازل والأراضي.. ثمن يتجاوز العمليات العسكرية

بدورها تقول منظمات حقوقية دولية إن تداعيات الوجود العسكري الإسرائيلي لا تتوقف عند الاعتقالات أو العمليات القتالية، بل تمتد إلى الممتلكات وحركة السكان ومصادر رزقهم.

منظمة العفو الدولية تقول إنها وثقت تدمير أو تضرر ما لا يقل عن 23 مبنى مدنياً في ثلاث قرى بالقنيطرة خلال الأشهر الستة التي أعقبت بدء التوغل الإسرائيلي.

لكن بالنسبة لسكان القرى الحدودية، لا تُقاس هذه التحولات بعدد القواعد أو مواقع التوغل، وإنما بما خسرته حياتهم اليومية.

وبينما تستمر المفاوضات حول الحدود والترتيبات الأمنية، يبقى سكان هذه القرى عالقين بين واقع عسكري يتوسع على الأرض واتفاق سياسي لم يُحسم بعد، يدفعون كلفة هذا الغموض من أمنهم وبيوتهم وأرزاقهم.

التعليق على الفيديو، "الكعكة الصفراء" في سوريا.. قصة موقع مفاعل الكبر النووي الذي كاد يشعل أزمة إقليمية