أزمة سوريا الاقتصادية: ظلامٌ يخيّم على بيوتها، وعائلاتٌ لا تأكل سوى وجبة واحدة يومياً

صدر الصورة، Neha Sharma/BBC
- Author, هوغو باتشيغا
- Role, مراسل شؤون الشرق الأوسط - من سوريا
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
اندلعت خلال الشهر الماضي احتجاجات في الساحات والشوارع في أنحاء سوريا؛ إذ أشعل المحتجون الإطارات، وأغلقوا الطرق، وهتفوا بشعارات تعبر عن غضبهم من قرار الحكومة برفع أسعار الوقود مجدداً، في أكبر مظاهرة تعكس حالة الاستياء منذ تولي الرئيس المؤقت أحمد الشرع السلطة قبل عامين.
وفي تصريح لقناة تلفزيونية سورية، قال أحد المواطنين إنه لا يزال يدعم السلطات، لكن وضعه المعيشي تدهور لدرجة أنه لم يعد قادراً على شراء الخبز.
وقال آخر: "بصراحة، صرنا نخشى ما قد يحمله لنا كل صباح من قرارات جديدة".
وتأتي هذه الزيادة ضمن سلسلة من الإجراءات التي يرى الناس أنها السبب وراء تفاقم أزمة غلاء المعيشة.
فبالنسبة لكثير من السوريين، تدهورت أوضاعهم المالية منذ أن أطاح مسلحو المعارضة -بقيادة الشرع- بالرئيس بشار الأسد، منهيين بذلك خمسة عقود من حكم عائلته القمعي، وأكثر من 13 عاماً من حرب أهلية مدمرة.
ومنذ وصوله المفاجئ إلى سدة الحكم، قاد الشرع عملية الانتقال في سوريا، وسعى لإحياء اقتصادٍ متهالك عانى طويلاً من سوء الإدارة والعزلة والصراعات.
لم يكن هناك أدنى شك في مدى صعوبة هذه المهمة، لكن السوريين -الذين احتفلوا بسقوط الأسد وبحريتهم الجديدة- ربما بالغوا في تفاؤلهم بسرعة تحسن الأمور؛ إذ لم يتحقق التحسن المطلوب، وأثار أسلوب إدارة الاقتصاد حالة من الإحباط لدى الكثيرين.
ارتفعت تكاليف كل شيء تقريباً، بدءاً من الفواتير الأساسية وصولاً إلى السلع الضرورية. واعتبر الكثيرون أن الارتفاع الإضافي غير المتوقع في أسعار الوقود دليلٌ على انفصال الحكومة عن واقع البلاد.
وفي رسالة موجهة إلى الشرع، قال أحد المحتجين: "نحن لا نريد دواوير لتنظيم المرور؛ ففي كل يوم يبنون دوّاراً جديداً! لقد وقف الناس إلى جانبك وما زالوا يدعمونك، لكن هذه التصرفات ستؤدي إلى انفجار الأوضاع".
وبعد أيام، وفي ظل دعوات لتنظيم المزيد من المظاهرات، أُلغِي قرار رفع الأسعار.

صدر الصورة، Neha Sharma/BBC
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
في إحدى ضواحي دمشق، رافقتُ فاطمة صالح عيد في جولة تسوقها الأسبوعية في سوقٍ مفتوح.
تقول فاطمة، البالغة من العمر 50 عاماً، وتعمل في مهنة التنظيف للمساعدة في إعالة أسرتها: "لقد عانينا كثيراً".
فقد حصل زوجها مؤخراً على وظيفة في مصنع للسيراميك بعد عامٍ كاملٍ من البطالة؛ ويُعدّ بذلك من المحظوظين، إذ يواجه الكثيرون صعوباتٍ بالغة في العثور على عمل. ففي بعض الشوارع، يتجمع الرجال على أمل أن يجدوا من يطلبهم للعمل ليومٍ واحد، لكنهم غالباً ما ينتظرون دون جدوى.
وقد عمدت الحكومة الجديدة إلى خفض الدعم الذي كان قائماً منذ زمنٍ طويل، كجزءٍ من سياسة تقشفية. وارتفع سعر الخبز -الغذاء الأساسي للسوريين- عشرة أضعاف. وأصبحت أسعار الوقود تضاهي المعدلات العالمية، ما زاد من أعباء المزارعين ورفع تكاليف النقل، في حين شهدت أسعار الكهرباء ارتفاعاً بنسبٍ تصل إلى أضعاف المئة في المئة.
في المقابل، قامت السلطات بتعديل أجور العاملين في القطاع العام، بما يشمل المعاشات التقاعدية؛ لكن، وكما كان متوقعاً، تلاشت قيمة هذه الزيادات مع استمرار الأسعار في الصعود.
تقول فاطمة: "أصبحنا نقتصد في طعامنا؛ فلم نعد قادرين على شراء الدجاج أو اللحم، ونكتفي بالخضروات، التي باتت هي الأخرى باهظة الثمن. إن شاء الله تصبح الأسعار أرخص".
وبينما كانت تتحدث، تجمع حولنا نحو اثني عشر شخصاً من مختلف الأعمار، لم يختلف أحدٌ مع ما قالته فاطمة.
فقد ذكر رجلٌ مسنٌ أنه توقف هو الآخر عن تناول اللحوم، بينما أخبرني شابٌ في العشرينيات من عمره أن عائلته لم تعد قادرة على توفير ثمن الدواء لوالده المصاب بمرضٍ في القلب. وقالت شابةٌ أخرى إنها وأطفالها الأربعة لا يستطيعون الحصول على وجبةٍ مشبعةٍ إلا مرةً كل يومين.
أخبرني مروان بشور، وهو متقاعد يبلغ من العمر 68 عاماً، أن دخله الشهري يبلغ نحو 90 دولاراً (70 جنيهاً إسترلينياً)، وهو ما يعادل الحد الأدنى للأجور في القطاع العام، معلقاً: "هذا المبلغ لا يكفي على الإطلاق".
جدير بالذكر أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أفاد بأن 90 في المئة من السوريين كانوا يعيشون في حالة من الفقر خلال العام الماضي.
وأوضح مروان كيفية تدبيره أموره المعيشية قائلاً: "أضطر أحياناً إلى الاقتراض، وأحياناً أخرى أبيع مقتنيات من منزلي؛ كقدور قديمة أو أطباق لم نستخدمها قط، أو هدايا تلقيناها سابقاً. بل إنني اضطررت حتى إلى بيع قطع من الأثاث".
الأدهى من ذلك، أن مروان - كالكثير من السوريين - كان يعتمد على المساعدات المقدمة من المنظمات الإغاثية، لكن هذا الدعم توقف بالنسبة له، إذ اضطرت تلك المنظمات إلى تقليص خدماتها بسبب نقص التمويل.
ولم تكن سوريا بمنأى عن تداعيات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران؛ فقد صرحت الحكومة بأن رفع أسعار الوقود -الذي أدى إلى اندلاع الاحتجاجات- كان يعود جزئياً إلى الضغوط التي تعرضت لها أسواق الطاقة نتيجة لهذا الصراع.

صدر الصورة، Neha Sharma/BBC
التقيت بمتقاعد آخر يُدعى نبيل الرمحين، يبلغ من العمر 63 عاماً. لم يتمكن أيٌّ من أبنائه الأربعة البالغين من العثور على عمل.
قال نبيل، وقد بدت على وجهه علامات التعب: "لم نعد نتناول سوى وجبة واحدة في اليوم. إنه أمر مأساوي. ولست وحدي في هذا؛ فالسكان جميعاً يعانون، ونحن جميعاً جائعون. نكاد نختنق تحت وطأة ارتفاع التكاليف".
اصطحبني نبيل إلى منزله الكائن في منطقة فقيرة، تتسم بأزقتها الضيقة ومبانيها المتواضعة؛ حيث التقيت زوجته التي كانت تؤدي أعمالها المنزلية في الظلام.
قال نبيل: "أخشى فاتورة الكهرباء؛ لذا قللنا من استخدام الإضاءة في المنزل، كما أننا نفصل الثلاجة (عن الكهرباء) لنحو خمس ساعات يومياً". ومع ذلك، بلغت قيمة الفاتورة الأخيرة نحو ثلث دخل الأسرة، وهو مبلغٌ لم يتمكن من سداده.

صدر الصورة، Neha Sharma/BBC
قال الدكتور حايد حايد، وهو كاتب عمود سوري وباحث استشاري في مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث ومقره لندن، إن "قطاعاً كبيراً من السكان" أصبح في وضع أسوأ مما كان عليه قبل سقوط نظام الأسد.
وأوضح لبي بي سي أن الأزمة الاقتصادية تُعد "واحدة من أخطر القضايا" التي تواجه الحكومة، مشيراً إلى أن جزءاً منها ناتج عن سياسات الحكومة نفسها.
وأضاف: "يعود جزء من الأزمة إلى نقص الموارد المالية وإلى الإرث الذي تركه النظام السابق. لكنها أيضاً نتيجة مباشرة لسياسات جديدة تدفع سوريا نحو اقتصاد ليبرالي قائم على السوق الحر، وهي سياسات لا تأخذ في الحسبان تأثيرها على الناس".
من جانبه، أفاد متحدث باسم وزارة الاقتصاد والصناعة السورية بأنه لا يوجد أحد متاح لإجراء مقابلة صحفية.

صدر الصورة، Neha Sharma/BBC
لقد حقق النظام السوري، بطبيعة الحال، بعض المكاسب المهمة؛ فقد رُفعت العقوبات الدولية التي فُرضت في عهد الأسد، كما شطبت الولايات المتحدة اسم البلاد من قائمتها للدول الراعية للإرهاب. ورغم أن الوضع الأمني لا يزال متقلباً ومثيراً للقلق، إلا أن البلاد تبدو أكثر استقراراً.
ويواصل الرئيس تعزيز سلطته؛ ففي وقت سابق من هذا العام، استعاد السيطرة على منطقة الشمال الشرقي الغنية بالموارد من أيدي ميليشيات يقودها أكراد. أما في الجنوب، فلا يزال الدروز يسيطرون على مناطق يسعون فيها لإقامة كيان يتمتع بالحكم الذاتي، في حين تحتل إسرائيل أجزاءً من الجنوب الغربي.
ومع ذلك، فإن التعافي الاقتصادي الحقيقي لم يتحقق بعد؛ إذ لا تزال مساحات واسعة من سوريا مدمرة تماماً في أعقاب حربٍ أودت بحياة نصف مليون شخص وشرّدت نصف السكان. ونظراً لعجزهم عن دفع الإيجارات، تعيش عائلات كثيرة في مبانٍ تعرضت لدمار جزئي.
ويقدر البنك الدولي تكاليف إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، مؤكداً أنه من دون مساعدات واستثمارات خارجية، سيستحيل على السوريين إعادة بناء بلادهم.
ويرى سمير عيطة، الخبير الاقتصادي السوري ورئيس "رابطة الاقتصاديين العرب" -وهي مؤسسة بحثية مستقلة تتخذ من باريس مقراً لها- أن الأزمة ناتجة عن "مزيج من السياسات التي فشلت فيها الحكومة في إدارة التوقعات، بل خلقت آمالاً غير واقعية".
وحين سألته عن رؤيته للمستقبل، أجاب قائلاً: "هذا الوضع غير قابل للاستمرار؛ فإذا لم يحدث تغيير، أخشى أن ننزلق نحو الفوضى".
وعلى الرغم من الإنهاك الذي أصابهم بعد سنوات من الصراع، لا يزال الأمل يداعب قلوب السوريين الذين لم يعد لديهم خيارات تُذكر.
يقول أبو محمود، وهو سائق سيارة أجرة مشيراً إلى النظام السوري الجديد: "لقد ورثوا بلداً مفلساً، لذا على الناس التحلي بالصبر؛ فالأمور لا تتغير بين عشية وضحاها".
تغطية إضافية من لانا أنطاكي، وسامانثا غرانفيل، ونيها شارما




























