إيرانيون يخشون أن النظام صار أكثر تجذّراً وميلاً للانتقام

صدر الصورة، Reuters
- Author, فرغال كين
- Role, مراسل خاص
- مدة القراءة: 5 دقائق
ما زالوا هناك. لا مفر من هذه الحقيقة البسيطة. أينما سار الناس، وأينما قادوا سياراتهم، وكلما شغّلوا التلفزيون، حضرت في الفضاء العام وجوه القادة الذين اغتيلوا، إلى جانب وجوه الحكام الجدد.
مرّت الاحتجاجات، ثم جاءت حرب أعقبها وقف لإطلاق النار. لكن نظام الجمهورية الإسلامية بقي قائماً.
بل إن إيرانيين داخل البلاد تحدثت إليهم بي بي سي يقولون إن النظام لم يخرج أضعف، بل صار أكثر تجذراً. وهو اليوم في مزاج انتقامي.
سنا ودياكو، وهما ليسا اسميهما الحقيقيين، زوجان شابان يعيشان في طهران. ينتميان إلى الطبقة الوسطى، وهما متعلمان، ومن ذلك النوع من الإيرانيين الذين يريدون نهاية الحكم الديني المتشدد.
لكن رواية قصتهما تتطلب حذف كثير من التفاصيل التي قد تكشف شيئاً عن شخصيتيهما وحياتهما، إذ يمكن للنظام أن يستخدم مثل هذه التفاصيل لتعقب من يجرؤون على التحدث بحرية إلى وسائل إعلام أجنبية.
التقى الصحفي المتعاون مع بي بي سي في إيران بسنا ودياكو قرب منتزه، حيث كانت عائلات تتمشى مع أطفالها، مستفيدة من فترة وقف إطلاق النار.
يريد دياكو أن يصدق أن الحياة ستتحسن. يقول: "الأمور ستتغير. لقد تغيرت فعلاً".
تضحك سنا وهو يقول ذلك.
وتسأل: "تغيرت؟ لقد وقعت البلاد في قبضة الحرس الثوري. البلد في حالة فوضى".
وتقول سنا إن مشاعرها تبدلت منذ هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران.
وتضيف: "في البداية، لم أكن أريد أن تقع الحرب... لكن في منتصفها، وما داموا يستهدفون شخصيات بارزة، كنت أشعر بفرح حقيقي مع مقتل كل واحد منهم".
لكن مع طول أمد الحرب، أدركت سنا، كما أدرك البيت الأبيض في عهد ترامب، أن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وشخصيات بارزة أخرى لم يفتح الباب أمام نظام جديد أكثر استعداداً للتسوية.
وتقول: "لا يزال كثيرون منهم في مواقعهم. ما تخيلته لم يحدث. كل شيء ازداد سوءاً، وبقينا نحن مع الجمهورية الإسلامية. أشعر بمرارة شديدة لأنهم ربحوا هذه الحرب".

صدر الصورة، EPA
يصعب تحديد حجم التأييد للنظام داخل المجتمع الإيراني. فمؤيدوه ينظمون بانتظام تجمعات علنية لإظهار التضامن معه. وفي المقابل، تُحظر التجمعات المعارضة.
تحدثت مصادرنا الموثوقة في إيران مع ناشطين معارضين ومحامين في مجال حقوق الإنسان وصحفيين مستقلين، ووجدت حالة من التشاؤم. وهناك خوف يتكرر: بمجرد أن تنتهي الحرب نهائياً، ستصعّد الدولة حملتها للقمع الداخلي.
وبحسب وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان "هرانا" HRANA، ومقرها واشنطن، اعتُقل أكثر من 53 ألف شخص خلال احتجاجات مناهضة للنظام في يناير/كانون الثاني الماضي، أي قبل اندلاع الحرب. ومنذ بداية الحرب، يُعتقد أن آلافاً آخرين اعتقلوا.
وسجل عدد قياسي من أحكام الإعدام بحق معتقلين سياسيين، إذ أعدم 21 شخصاً شنقاً خلال الحرب. وهو أعلى رقم يسجل في فترة قصيرة كهذه منذ 30 عاماً.
وكان تسعة من الذين أعدموا على صلة باحتجاجات يناير/كانون الثاني، فيما اتهم عشرة آخرون بالانتماء إلى جماعات معارضة، واتُهم اثنان بالتجسس.
سوزان، وهو اسم مستعار، محامية تعمل مع موقوفين، وتقول إن ظروف السجن أصبحت أكثر قسوة.
وتضيف: "قبل الحرب، كانت المعاملة القاسية تُخصص لقادة الاحتجاجات، أو لمن حملوا قنابل مولوتوف، أو لمن كانوا مسلحين. لكن خلال الحرب، ازدادت القسوة بشكل كبير".
وتكشف قصة سوزان الشخصية كيف يساهم الصراع في تقسيم بعض العائلات. فوالداها مؤيدان للنظام علناً، وهي تخشى أن يتعرضا للاستهداف في حال الإطاحة بالحكومة. وحين عبّرت عن هذا الخوف لشقيقها المناهض للنظام، كان رده صادماً: "بما أنهما يريدان أن يصبحا شهيدين، فلماذا نحرمهما هذا الحق؟".
تريد سوزان أن تنتهي الحرب، لكنها متأكدة من أن أشخاصاً مثلها سيتعرضون لضغط أكبر. وهي تخشى على مصير المعتقلين. وتقول: "أعتقد أنه إذا انتهت الحرب، سيصبّ النظام غضبه من هذه الحرب على السجناء. أعتقد أننا نعيش في الوقت المستعار".

صدر الصورة، EPA
وأفاد ناشطون في مجال حقوق الإنسان بتنفيذ أربع عمليات إعدام حتى الآن هذا العام، لأشخاص اتهموا بالارتباط بجهاز الموساد، جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي.
ويخشى صحفيون مستقلون، من بين آخرين، استهدافهم باتهامات تتعلق بمساعدة الولايات المتحدة أو إسرائيل. فقد اعتقل عدد من الأشخاص بتهمة إرسال مواد إلى وسائل إعلام أجنبية تعدّ معادية للدولة.
وقال أحد الصحفيين، وسنطلق عليه اسم آرمين، لزميلنا في طهران إن مجرد نقل وقائع الحرب قد يكون سبباً كافياً للاعتقال، مع عواقب قد تصل إلى حد الموت.
ويقول: "في السابق، كان من الممكن أن نُتهم بارتكاب مخالفة سياسية. أما في ظروف الحرب الحالية، فإذا نقلنا أخبار الحرب، فقد نُتهم بالتجسس". وتصل عقوبة التجسس إلى الإعدام في نظام قضائي يلتزم بتوجيهات النظام في إيران.
ويضيف آرمين: "في السابق، كنا نحاول أن نفهم عدد الأشخاص الذين تضرروا، أو الأثر الذي ستتركه الاحتجاجات في النهاية. أما الآن، فالوضع مختلف. تركيزنا منصبّ على البقاء أحياء، نحن وعائلاتنا".
وبينما تحاول عائلته النوم، يبقى آرمين مضطرباً.
ويقول: "أستلقي مستيقظاً، أتساءل عما يحمله المستقبل. وهذا الغموض يجلب معه قلقاً هائلاً".
وليس مستغرباً كثيراً أن تختفي المعارضة من الشوارع. فالنظام يملك سلطة الحياة والموت.
-----------------------
شاركت في التغطية أليس دويارد.






























