بديل من قاع الميناء: حيلة أهل غزة لمواجهة نقص الإسمنت

- Author, أميرة دكروري
- Role, يوميات الشرق الأوسط
- مدة القراءة: 4 دقائق
في منتصف الليل، استيقظ أبو ياسين من نومه داخل خيمته في قطاع غزة، وقد تملّكه الخوف على ابنته. هذه المرة، لم يكن الخوف من غارة أو انفجار، بل من فأرٍ تسلل إلى جوار طفلته الرضيعة.
طارده، ثم جلس يتساءل: ماذا يفعل بجدران من قماش، في أرضٍ بات فيها الإسمنت حلماً بعيد المنال؟
هذا السؤال يشغل مئات الآلاف من سكان غزة الذين فقدوا منازلهم خلال نحو عامين من الحرب.
فبعد تدمير أو تضرر نحو 80 في المئة من مباني القطاع بحسب تقديرات الأمم المتحدة، أصبح العثور على مأوى مناسب مهمة بالغة الصعوبة.
ومع مرور أكثر من ستة أشهر على وقف إطلاق النار، لا تزال القيود على دخول المساعدات تعيق إدخال مواد البناء الأساسية، ما يدفع السكان إلى البحث عن حلول لم تكن في الحسبان.
وتفيد وزارة الأشغال والإسكان في غزة بأن مستوى الاستجابة لمتطلبات الإيواء لا يزال محدوداً، إذ لم يتجاوز عدد الوحدات السكنية التي أُدخلت إلى القطاع ألفي وحدة، ما يمثل أقل من 1 في المئة من حجم الاحتياج الفعلي.
ومع استمرار القيود على إدخال مواد البناء، تواجه جهود إعادة الإعمار عقبات عدّة، ما يترك آلاف العائلات في ظروف إنسانية قاسية.
وتقول الأمم المتحدة إن المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025 كان لها تأثير شبه معدوم على دخول مواد البناء، إذ لم يصل فعلياً أي إسمنت، واقتصر الأمر على كميات محدودة جداً من الأنابيب والمعدات الثقيلة والأدوات المرتبطة بمعالجة المياه.
من قاع الميناء

في هذا الواقع، ظهرت فكرة غير متوقعة من أحد الصيادين. توجّه إلى حاجز الميناء بحثاً عن رزقه، فوجد بدلاً من السمك صخوراً وكتلاً من الإسمنت المتحجّر، تراكمت على مدى سنوات، إمّا من حمولات سفن كانت تفرّغ هناك، أو من أعمال تدعيم أرصفة الميناء.
لم يتردد كثيراً. كسر هذه الصخور، ثم طحنها وخلطها بالرمال والمياه، في محاولة للحصول على مادة أقوى من الطين الذي يستخدمه كثيرون لسدّ فتحات الخيام. وعندما نجحت التجربة، بدأ آخرون بتجربتها أيضاً.
يقول أبو ياسين، وهو صياد نازح فقد منزله في الحرب: "جرّبت الطين مثل باقي الناس في الخيام، لكنه لم ينفع. بعدها استخدمت الإسمنت الحجري، وكان أفضل بنسبة تصل إلى 70 في المئة."
اليوم، يشتري كثيرون في القطاع هذه الكتل الإسمنتية، ويكسرونها ويطحنونها من جديد لاستخدامها بطرق بسيطة. ورغم أنها لا تكون إسمنتاً فعّالاً كما كانت في الأصل، إلا أنها تصلح للاستخدام في تقوية الأرضيات وتثبيت الخيام، والحدّ من خطر القوارض والزواحف.
"كنز" في البحر

غير أن استخراج هذه الكتل من قاع الميناء ليس بالأمر السهل.
يقول أحد العمّال إنه يغطس لعدة أمتار تحت الماء، حاملاً أدوات تكسير، ليقتطع أجزاء من الإسمنت المتحجّر ويعيدها إلى السطح.
وبسبب ثقل هذه الكتل وصعوبة السيطرة عليها، يعمد الغطاسون إلى تحميلها على أبواب ثلاجات مهجورة، ثم دفعها نحو الشاطئ. وأحياناً، عند الشعور بالخطر، يتركونها تغرق على أمل أن تجرفها المياه لاحقاً إلى الشاطئ.
ويقول أبو الجود، وهو من سكان شمالي القطاع، إنه وجد في هذا العمل مصدراً للرزق: "بدأت باستخدامه في خيمتي لإغلاقها بإحكام ومنع دخول القوارض، ثم قررت العمل في هذا المجال واستخراج كتل وبيعها للآخرين."
ويضيف أن هذه الممارسة باتت واسعة الانتشار، إذ يقصد العشرات، بينهم نساء، هذه الكتل التي يطلقون عليها مجازاً اسم "الإسمنت".
ويبلغ سعر الكيلوغرام من هذا الإسمنت الحجري نحو 3 شيكل، فيما لا يتجاوز دخل العامل 35 شيكلاً يومياً مقابل الغطس والتكسير والنقل.
ويقول أحد العمال: "قلة فرص العمل في غزة دفعتنا إلى هذا العمل. ورغم خطورته وما يتطلبه من جهد، فإنه يبقى الوسيلة الوحيدة لإعالة أسرتي."
57 مليون طن من الركام

ما يفعله أبو ياسين وأبو الجود والعشرات غيرهما هو استجابة مباشرة لأزمة يصعب إيجاد حلول سريعة لها.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب خلّفت نحو 57.5 مليون طن من الركام، فيما قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة حجم الأنقاض بأكثر من 61 مليون طن متري، أي ما يعادل 169 كيلوغراماً لكل متر مربع من مساحة القطاع.
وتُقدّر تقييمات مشتركة صادرة عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار بنحو 71 مليار دولار.
وبعد ستة أشهر على وقف إطلاق النار، لا تزال القيود على إدخال مواد البناء إلى غزة قائمة، في وقت تتسع فيه رقعة الدمار، وتزداد أعداد المنازل غير الصالحة للسكن.





























