You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
بين "عطايا" ترامب وحكمة الرومي، من يمتلك مفاتيح الثروة والعمل في العصر الرقمي؟ - جولة الصحف
في جولة الصحافة لهذا اليوم، نسلط الضوء على مستقبل توزيع الثروة في ظل صعود الذكاء الاصطناعي واتساع فجوة الثراء، وكذلك نتناول قيمة الحُكم البشري في عصر الأتمتة، إضافة إلى قراءة في فكر جلال الدين الرومي حول القناعة ومقاومة الجشع، وما يمكن أن تقدمه حكمته من دروس في مواجهة ثقافة المقارنة التي يكرسها العصر الرقمي.
ونبدأ جولتنا من صحيفة فايننشال تايمز، ومقال للكاتبة رانا فوروهار، تتحدث فيه عن اتساع فجوة الثروة وكيف باتت إحدى أبرز القضايا السياسية في الولايات المتحدة، في ظل تزايد القلق الشعبي من توزيع الدخل والثروة، وارتفاع أعداد الأمريكيين غير القادرين على تحمّل تكاليف الاحتياجات الأساسية مثل السكن والغذاء والرعاية الصحية.
وتقول إن اقتصاد الذكاء الاصطناعي الذي تتركز عوائده في أيدي قلة زاد هذه المخاوف، وهو ما يفسر، برأيها، إطلاق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب مبادرة "حسابات ترامب"، التي تمنح كل طفل يولد بين عامي 2025 و2028 مساهمة حكومية بقيمة ألف دولار، بهدف منح الأجيال الجديدة فرصة لتكوين الثروة.
لكن الكاتبة تعتبر أن هذه المبادرة لن تحقق التحول الذي يعد به ترامب، موضحة أن استثمار ألف دولار بعائد سنوي حقيقي يبلغ خمسة في المئة لن يتجاوز نحو 2400 دولار عندما يبلغ الطفل الـ 18، وهو مبلغ قد يكون مفيداً، لكنه بعيد عن إحداث تغيير جذري في فرص الحياة.
وتشير إلى أن مجرد تبنّي ترامب لهذا الطرح يعكس اتساع النقاش الأمريكي حول كيفية معالجة التفاوت الاقتصادي، بين من يدعو إلى إعادة توزيع الثروة عبر فرض ضرائب على الأثرياء، ومن يفضّل توزيع فرص امتلاك الأصول منذ البداية، بحيث يمتلك عدد أكبر من المواطنين حصصاً في الأسواق المالية أو العقارات بدلاً من الاعتماد على إعادة التوزيع الضريبي لاحقاً.
وترى الكاتبة أن الولايات المتحدة أصبحت اقتصاداً قائماً على الأصول أكثر من أي وقت مضى، إلا أن المشكلة تكمن في أن أغنى عشرة في المئة من السكان يملكون نحو 93 في المئة من الثروة المستثمرة في الأسهم، ما يجعل مكاسب الأسواق تتركز في أيدي قلة، بينما تسهم ثرواتهم في رفع أسعار الأصول، ولا سيما المساكن، وهي الظاهرة التي تتوقع أن تتفاقم مع الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي.
وتؤكد أن السياسات الأكثر نجاحاً في الحد من التفاوت كانت تلك التي نقلت ملكية أصول إنتاجية إلى قطاعات واسعة من المواطنين، مستشهدة بإصلاحات الأراضي في كوريا الجنوبية وتايوان واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وسياسات الإسكان في سنغافورة، إضافة إلى صندوق ألاسكا السيادي الذي يوزع جزءاً من عائدات النفط على السكان.
وترى الكاتبة أن الأصل الإنتاجي الأهم في العصر الحالي يتمثل في الملكية الفكرية والبيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، معتبرة أن الثروة الضخمة التي تحققها شركات التكنولوجيا تقوم أساساً على البيانات التي ينتجها المستخدمون، وهو ما يبرر، بحسب رأيها، الدعوات المتزايدة إلى إنشاء صناديق سيادية تكنولوجية تمنح المواطنين حصة مباشرة في ثروة الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء بالدعم النقدي.
الذكاء الاصطناعي لن "ينهي الوظائف" بل سيرفع قيمة الحُكم البشري
إلى صحيفة واشنطن بوست، ومقال لأستاذ العلوم السياسية في جامعة واشنطن، فيكتور مينالدو، يقول فيه إن المخاوف المتزايدة من تسبب الذكاء الاصطناعي في القضاء على الوظائف المكتبية مبالَغ فيها، رغم إقراره بأن التقنية بدأت بالفعل تؤثر في بعض المهن، خصوصاً الوظائف المبتدئة.
ويشير الكاتب إلى أن عدداً من كبار التنفيذيين في شركات التكنولوجيا والصناعة حذّروا من تقلص الوظائف بفعل الذكاء الاصطناعي، مستشهداً بتوقعات رئيس شركة أنثروبيك، داريو أمودي، بأن التقنية قد تقضي على ما يصل إلى نصف الوظائف المكتبية للمبتدئين خلال خمس سنوات، إلى جانب توقعات مماثلة صدرت عن مسؤولين في شركات كبرى مثل "جي بي مورغان" و"فورد" و"أمازون".
ويؤكد أن هذه المخاوف تستند إلى وقائع حقيقية، موضحاً أن معدل البطالة بين الخريجين الجدد تجاوز خمسة في المئة، كما تراجعت فرص العمل في بعض القطاعات الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي، مثل تطوير البرمجيات وخدمة العملاء، منذ ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
لكن مينالدو يرى أن الاستنتاج القائل إن أتمتة جزء من مهام الوظيفة تعني الاستغناء عن الوظيفة نفسها يقوم على افتراض خاطئ، موضحاً أن الوظائف لا تتكون من مهام منفصلة يمكن حذف بعضها بسهولة، بل من مجموعة مترابطة تشمل التقدير البشري والتنسيق وبناء الثقة مع العملاء وتحمّل المسؤولية عن النتائج.
ويضرب الكاتب مثالاً بالثورة الصناعية، موضحاً أن الآلات ألغت بعض الأعمال التقليدية في صناعة النسيج، لكنها رفعت في المقابل قيمة العمال القادرين على تشغيل الآلات الجديدة وإدارتها بكفاءة، ما جعل مهاراتهم أكثر أهمية رغم انتشار الأتمتة.
ويقول إن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته الكبيرة على إنتاج النصوص وتحليل المعلومات، لا يمتلك معرفة حقيقية، بل يعتمد على التنبؤ استناداً إلى كميات هائلة من البيانات التي تدرب عليها، ويضيف أنه لا يستطيع تقييم مدى تحيز مصادره، ولا شرح طريقة وصوله إلى نتائجه، كما قد يقدم معلومات أو مراجع مختلقة بالثقة نفسها التي يعرض بها الحقائق الصحيحة.
ويرى مينالدو أن هذا القصور يجعل القيمة الاقتصادية تنتقل من إنتاج المعلومات إلى القدرة على التحقق منها، موضحاً أن المؤسسات ستزداد حاجتها إلى الأشخاص القادرين على التمييز بين الإجابات الدقيقة والمعلومات المضللة أو المختلقة التي قد ينتجها الذكاء الاصطناعي.
ويضيف أن المحرر الذي يستطيع تقييم جودة الحجة، والطبيب الذي يكتشف جرعة دوائية خاطئة، والمحامي الذي يدرك أن المسألة القضائية المذكورة غير موجودة، ستزداد أهميتهم في بيئة تمتلئ بمخرجات تبدو مُقنِعة لكنها قد تكون خاطئة.
ويحذّر الكاتب من أن المؤسسات التي تستغني عن الموظفين المسؤولين عن مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي قد تبدو أكثر كفاءة في المدى القصير، لكنها ستواجه مخاطر كبيرة عندما تتحول معلومة غير صحيحة إلى قرار مؤثر، مؤكداً أن المسؤولية القانونية والمهنية تبقى على عاتق الإنسان، ولا يمكن تحميلها للنموذج التقني.
ويقر الكاتب بأن المرحلة الانتقالية لن تكون سهلة، وأن الضغط على الوظائف المبتدئة حقيقي، إلا أنه يخلص إلى أن أفضل وسيلة لمواجهة الذكاء الاصطناعي ليست البحث عن تخصصات محصنة ضده، ولا تركه يتولى التفكير بدلاً من الإنسان، وإنما تطوير القدرة على اكتشاف أخطائه وتحسين مخرجاته وتحديد الحالات التي تستحق الثقة، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لم يقلل قيمة العامل البشري، بل رفع قيمة الحُكم والتقدير البشري أكثر من أي وقت مضى.
جلال الدين الرومي يقدم درساً في مقاومة الجشع والرضا في عصر المقارنة الرقمية
إلى صحيفة الغارديان، ومقال للباحث علي حمود، يتناول فيه كتاب "المثنوي" لجلال الدين الرومي الذي يقول إنه لا يقتصر على كونه عملاً عن الحب الإلهي، بل يزخر بحِكم ودروس حياتية ما تزال صالحة لعصرنا، ولا سيما في مواجهة الجشع وثقافة المقارنة التي عززها العالم الرقمي.
ويستشهد الكاتب بأبيات من "المثنوي" يحذّر فيها الرومي من عبودية المال، معتبراً أن الشاعر لا يكتفي بإدانة الجشع، وإنما يقدم أسلوباً تربوياً متكاملاً لإقناع القارئ بخطورته.
ويقول حمود إن الرومي يبدأ بمخاطبة القارئ بعبارة "يا بُني"، فيبني علاقة شخصية وقريبة معه، تسمح له بالتحدث بصراحة عن تعلّق الإنسان بالذهب والثروة، معتبراً أن هذا التعلّق يقيد الإنسان بأغلال غير مرئية ويجعله عبداً للماديات من دون أن يدرك ذلك.
ويضيف أن الرومي ينتقل بعد ذلك إلى تجسيد الفكرة بصورة بليغة، إذ يشبّه العالم ببحر لا نهاية له، بينما يشبّه الإنسان بإناء صغير يحاول احتواء هذا البحر، في إشارة إلى أن السعي إلى جمع الثروة بلا حدود أمر مستحيل وعديم الجدوى، لأن الإنسان لن يستطيع امتلاك العالم أو الاستفادة من كل ما يطمح إليه.
ويقول إن هذا الدرس يكتسب أهمية خاصة في العصر الرقمي، حيث ينشغل الناس بمراقبة ما يمتلكه الآخرون، بينما يغفلون عن النعم الموجودة في حياتهم أو عن الصعوبات الخفية التي يواجهها غيرهم، مضيفاً أن الإنسان كثيراً ما لا يدرك قيمة الصحة أو الأحبة أو الأمان إلا بعد فقدانها أو التهديد بفقدانها.
ويؤكد حمود أن دعوة الرومي لا تعني التخلي عن العمل أو السعي إلى تحسين الوضع المادي، ولا تمثل دعوة إلى الفقر الاختياري، وإنما تهدف إلى تغيير نظرة الإنسان إلى الحياة، بحيث يصبح الرضا عدسة ينظر من خلالها إلى نفسه وإلى العالم، وهو ما يمكّنه، بحسب الكاتب، من اكتشاف "اللآلئ" في حياته التي لم يكن يراها من قبل.