هل تترك الملاريا آثاراً دائمة على أدمغة الأطفال؟

جوزيف عندما كان طفلاً صغيراً، يظهر جالساً في الخارج مستنداً إلى جدار، مبتسماً وهو يحمل قلماً في يده ويرتدي قميصاً أبيض بلا أكمام.

صدر الصورة، Maria Natembo

التعليق على الصورة، شعرت ماريا بالارتياح عندما نجا طفلها الصغير من الملاريا، لكنه بدأ، بعد سنوات، يواجه صعوبات في المدرسة.
    • Author, إيزابيل شاو
    • Role, الصحة الرقمية العالمية
  • مدة القراءة: 7 دقائق

كان جوزيف ناتيمبو طفلاً صغيراً عندما نجا من الملاريا. في ذلك الوقت، شعرت والدته ماريا، البالغة من العمر 54 عاماً، بالارتياح، وكانت مقتنعة بأن الأسوأ قد انتهى.

لكن بعد نحو عقدين، يواجه الشاب الأوغندي البالغ من العمر 18 عاماً صعوبات في التعلم، يعتقد الأطباء أنها قد تكون مرتبطة بالعدوى التي أصيب بها في طفولته.

ويجد جوزيف صعوبة خاصة في مادة الرياضيات، إذ يصف الأرقام بأنها "مربكة"، وقد اضطر لاحقاً إلى إعادة عام دراسي. وتقلق والدته على مستقبله، خشية أن تحدّ صعوباته في المدرسة من فرصه في الحصول على عمل.

وكان جوزيف واحداً من أكثر من 1400 طفل في أوغندا تابعهم باحثون ضمن دراسة طويلة الأمد بعنوان "تأثير الملاريا على التطور السلوكي العصبي"، لفحص آثار الملاريا الشديدة.

وتشير الدراسة الجديدة، المنشورة في دورية الجمعية الطبية الأمريكية، إلى أن تجربة جوزيف، وخصوصاً مع الرياضيات، قد لا تكون نادرة إلى هذا الحد، بل قد تعكس نمطاً أوسع بين الأطفال الذين ينجون من أشكال شديدة من المرض.

"ندبة خفية"

تنتج الملاريا عن طفيليات ينقلها البعوض، وحتى الآن لم تكن الآثار الطويلة الأمد على التعلم لدى الناجين من الملاريا مدروسة بشكل كاف.

لكن الدراسة وجدت أن الأطفال الذين يصابون بالملاريا الشديدة قد يعانون تلفاً في الدماغ يمكن أن يؤثر في طريقة تعلمهم بعد سنوات من الإصابة الأولى.

ويقول البروفيسور تشاندي جون، المؤلف الرئيسي للدراسة وأستاذ طب الأطفال في جامعة إنديانا في الولايات المتحدة، إن هذا التلف يعمل كأنه "ندبة خفية".

تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

ويضيف: "قد يبدو الطفل بحالة جيدة للوهلة الأولى. لكن الاختبارات يمكن أن تكشف عن إصابة كامنة في الدماغ، لا تظهر إلا في الصف الدراسي".

وتابعت الدراسة، التي قادها في أوغندا الدكتور بول بانغيرانا، أستاذ الطب النفسي المشارك في جامعة ماكيريري في كمبالا، أطفالاً تلقوا علاجاً من نوعين من الملاريا الشديدة.

وبدأ الباحثون متابعة الأطفال منذ عام 2008، ووجدت متابعات سابقة أن بعضهم أظهروا علامات على ضعف إدراكي، يؤثر في التفكير والتعلم، خلال عام إلى عامين من الإصابة بالملاريا الشديدة.

لكن التحليل الأحدث يشير إلى أن هذه الآثار قد تستمر لفترة أطول بكثير.

وخضع ما مجموعه 939 طفلاً لتقييم جديد، بعضهم بعد ما يصل إلى 15 عاماً من الإصابة بالملاريا الدماغية أو بفقر الدم الشديد الناتج عن الملاريا.

والملاريا الدماغية هي أشد أشكال المرض. وتحدث عندما تعلق خلايا الدم المصابة في أوعية دموية صغيرة في الدماغ، ما يحدّ من تدفق الدم ويسبب تورماً.

وقد تؤدي إلى غيبوبة، وفي بعض الحالات إلى الوفاة. وإلى جانب فقر الدم الشديد، الذي يحدث عندما لا ينتج الجسم ما يكفي من خلايا الدم الحمراء، يُعتقد أنها تؤثر في ما يصل إلى مليوني طفل سنوياً، معظمهم في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

انخفاض معدل الذكاء

يجلس صبيان جنباً إلى جنب في صف دراسي. ينظر كلاهما إلى جهاز لوحي موضوع فوق دفتر تمارين. يرتدي الصبي على اليسار كنزة رمادية داكنة، بينما يرتدي الصبي على اليمين كنزة مخططة بالبرتقالي والرمادي.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، وجد الباحثون أن بعض الأطفال الذين أصيبوا بالملاريا الشديدة كان أداؤهم في الرياضيات أسوأ من أداء أقرانهم الذين لم يُصابوا بها.

خضع الأطفال في الدراسة لاختبارات في الرياضيات والقراءة والانتباه والقدرة العامة على التفكير.

وفي المتوسط، سجّل الذين نجوا من الملاريا الشديدة ما يعادل نحو ثلاث إلى سبع نقاط أقل في معدل الذكاء مقارنة بمن لم يصابوا بالعدوى مطلقاً.

وتقول الدكتورة أودري جون، رئيسة قسم الأمراض المعدية في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا، التي لم تشارك في الدراسة ولا تربطها صلة قرابة بالدكتور تشاندي جون: "بالنسبة إلى طفل واحد، قد لا يغيّر ذلك بشكل كبير ما يمكنه فعله".

وتضيف: "لكن عندما تُترجم هذه النتيجة إلى مئات الآلاف من الأطفال، تكون الضربة الإدراكية هائلة".

فحتى التغيّرات الصغيرة في التعلم يمكن أن تؤثر في فرص العمل مستقبلاً، وعلى مستوى أوسع في الإنتاجية الاقتصادية للأسرة، بل وحتى لبلد بأكمله.

وتضيف: "ونصف أطفال العالم يعيشون في منطقة تتوطن فيها الملاريا، لذلك فإن نصف أطفال العالم معرضون لخطر الإصابة بهذا".

ورغم أن الباحثين أخذوا في الاعتبار عوامل مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي والتعليم، وأشاروا إلى أن الفروق في إمكانية الحصول على الرعاية الصحية ربما أثرت أيضاً في النتائج، فإنهم وجدوا أن أداء الأطفال في الرياضيات كان أسوأ بكثير من أداء من لم يصابوا بالمرض.

لكن القدرة على القراءة لم تتأثر إلى حد كبير.

ويقول تشاندي جون: "مهارات الرياضيات هي شيء يحتاجه الأطفال للانتقال إلى المرحلة التالية من التعليم".

ويضيف: "لذلك يمكن أن تكون الملاريا ذات تبعات على قدرتهم على الالتحاق بالجامعة أو حتى بالمدرسة الثانوية".

صعوبات في المدرسة

تقف ماريا وجوزيف جنباً إلى جنب في الخارج تحت أشعة الشمس. ترتدي ماريا، على اليسار، فستاناً أزرق زاهياً بنقوش زهرية، بينما يرتدي جوزيف، وهو أطول من والدته، قميصاً رمادياً وبنطال جينز. يبتسم الاثنان بهدوء.

صدر الصورة، Andrew Mbowa

التعليق على الصورة، يأمل جوزيف في بدء مشروع صغير عندما يغادر المدرسة.

قبل أن يمرض جوزيف، تقول ماريا، وهي أم لأربعة أطفال، إنه كان "طفلاً طبيعياً" و"كان يحب اللعب مع أشقائه".

وفي عام 2009، عندما كان في الثانية من عمره، أصيب جوزيف بحمى شديدة وبدأ يتقيأ، قبل أن يُشخّص بالملاريا الدماغية.

في ذلك الوقت، خشيت ماريا ألا ينجو، إذ كانت تعرف أن الأطفال الذين يمرضون إلى هذا الحد غالباً ما "يرحلون".

وبعد أسابيع من الدخول إلى المستشفى والخروج منه، تعافى جوزيف.

لكن مع بلوغه سن السابعة، حين كان في المرحلة الابتدائية، بدأت المشكلات تظهر.

وتقول ماريا: "لم يكن أداؤه جيداً في الرياضيات. الجمع والطرح، كل ذلك كان مشكلة".

ويعتقد جوزيف أن هذا قد يكون سبباً في أنه يجد أيضاً صعوبة في المواد القائمة على الأرقام، مثل الكيمياء والفيزياء.

وتقول والدته: "مقارنة بأشقائه، الذين يحققون أداءً جيداً جداً، هو لا يفعل ذلك".

وقد استدعت المدرسة ماريا مرات عدة على مدى السنوات الماضية للحديث مع معلمين كانوا قلقين بشأن أداء جوزيف. وحتى عندما استعانت بمساعدة تعليمية إضافية في المنزل، استمر في التأخر مع تراجع قدرته على التركيز.

وتقول: "لم يكن يهدأ... لم يكن منتبهاً".

ومن المتوقع أن يلتحق بعض أشقائه بالجامعة، لكن ماريا تقول إن جوزيف قد يجد صعوبة في اتباع المسار نفسه.

ورغم ذلك، يقول جوزيف إنه يأمل في بدء مشروع صغير لبيع قطع غيار السيارات عندما يغادر المدرسة.

ولا يفهم العلماء بعد بشكل كامل كيف يمكن أن تؤدي الملاريا الدماغية أو فقر الدم الشديد إلى ضعف إدراكي.

ولا تستطيع الدراسة أن تثبت بشكل قاطع أن الملاريا الشديدة تسبب إصابة في الدماغ. لكنها تُظهر بدلاً من ذلك وجود صلة قوية بين المرض ومشكلات طويلة الأمد في التفكير والتعلم.

وستستخدم المرحلة التالية من الدراسة صوراً للدماغ بتقنية التصوير بالرنين المغناطيسي لفحص كيفية تأثير العدوى في أجزاء مختلفة من الدماغ.

وقد أظهرت دراسات سابقة أن الملاريا الشديدة يمكن أن تؤدي إلى الشلل وضعف المهارات الحركية والتناسق البصري.

كما ترتبط بنوبات صرع، وفقدان البصر، ومشكلات سلوكية، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD).

مشكلة عالمية

تُبرز خريطة بيانية لأفريقيا أن 282 مليون حالة ملاريا تُسجَّل سنوياً حول العالم، وأن 95 في المئة منها في أفريقيا. وتُظهر شريحة أخرى أن 85 في المئة من أوروبا، و67 في المئة من غرب المحيط الهادئ، و67 في المئة من شرق المتوسط، و57 في المئة من الأمريكتين، و27 في المئة من جنوب شرق آسيا، و11 في المئة من أفريقيا خالية من الملاريا. ويُنسب كلاهما إلى منظمة الصحة العالمية.

في عام 2024، تسببت الملاريا في ما يُقدَّر بنحو 282 مليون حالة إصابة و610 آلاف وفاة حول العالم، ارتفاعاً من 598 ألف وفاة في العام السابق، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية (WHO).

وتقع معظم الوفيات بين الأطفال الصغار في أفريقيا.

ورغم إحراز تقدم في خفض عدد الوفيات عالمياً منذ مطلع القرن، فقد توقف هذا التقدم في السنوات الأخيرة.

وبينما أعلن أن 47 دولة خالية من الملاريا، تشهد دول أخرى - بينها إثيوبيا ومدغشقر وأفغانستان واليمن - ارتفاعاً في عدد الحالات.

وتعزو منظمة الصحة العالمية عودة انتشار المرض جزئياً إلى تغيّر المناخ، الذي أوجد ظروفاً حارة ورطبة يزدهر فيها البعوض، ودفع الحشرات الناقلة للأمراض إلى مناطق لم تكن متأثرة سابقاً.

كما تقول المنظمة إن تزايد مقاومة الأدوية الشائعة المستخدمة لعلاج الملاريا وقتل الطفيليات، إلى جانب خفض التمويل العالمي، من العوامل التي تسهم أيضاً في ذلك.

ومع انتشار الملاريا في مناطق جديدة، يحذّر خبراء من أن ذلك قد يجعل أعداداً أكبر من السكان، ممن لم يطوّروا مناعة ضد الملاريا، عرضة لأشكال أكثر شدة من المرض.

ويقول تشاندي جون: "في بعض مناطق جنوب شرق آسيا، نرى حالات ملاريا أشد بين المراهقين والشباب".

ويضيف: "لم يطوّروا المستوى نفسه من المناعة".

ما الخطوات التالية؟

جرى إدخال لقاحين ضد الملاريا، من بينهما لقاح RTS,S، بهدف الوقاية من الأشكال الشديدة من المرض لدى الأطفال في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كان قد تم إيصال أكثر من 40 مليون جرعة إلى 24 دولة أفريقية، وفقاً لليونيسف.

وتقول أودري جون: "من المذهل أن تكون لدينا هذه العلاجات الوقائية الجديدة وأننا ننقذ أرواح الأطفال".

وتضيف: "لكن ذلك ليس كافياً، لا يمكننا التوقف عند هذا الحد. من الواضح أن علينا أن نعمل بشكل أفضل لحماية وعلاج الملايين الذين يعانون منه بالفعل".